من المستفيد من الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني الأخير في قطاع غزة؟ الإجابة عن هذا التساؤل لا تحتاج إلى كثير من العناء، لأن إسرائيل وحدها هي الأكثر ارتياحاً وهي ترى رفاق الدرب الواحد وقد نحوا هدفهم الأسمى جانباً، ودخلوا في منازعات ومهاترات لا تخدم قضيتهم الأولى.
وبغض النظر عن دوافع هذا القتال ومن المتسبب فيه ومن يقف وراءه، فإن الحقيقة الباقية تؤكد أن المنتصر أو الفائز فيه خاسر، وأن الخاسر الأكبر هو القضية الفلسطينية التي تواجه اليوم أكبر التحديات منذ نكبة عام 1948.
فالقتال بين أنصار «حماس» و«فتح» يأتي فيما تمضي حكومة أولمرت في خططها الخاصة برسم حدود إسرائيل من جانب واحد، كما يأتي الصراع المسلح بين «الإخوة الأعداء» في وقت وصلت فيه الأوضاع بالمدن الفلسطينية إلى حالة يرثى لها، فرواتب الموظفين لم تصل منذ أكثر من شهرين،
والضائقة المالية التي يواجهها الشعب الفلسطيني فاقت كل تصور، والمستشفيات تعاني من نقص شديد في الأدوية والمستلزمات الطبية، والأموال التي جُمعت مازالت قابعة في خزائن البنوك العربية ولا تجد طريقها إلى السلطة الفلسطينية بسبب الضغوط، بل التهديدات الأميركية لأي بنك يقدم على هذه الخطوة.
ألا يعرف رفقاء الدرب الواحد أن الصورة قاتمة، وأن الأوضاع سيئة، وأن الهوّة التي تنتظر الشعب الفلسطيني باتت عميقة؟ ألا يكفي الشعب الفلسطيني هذا الحصار الدولي الخانق الذي تتزعمه واشنطن عقاباً على اختياره الديمقراطي؟ ألا يكفي الشعب الفلسطيني ألماً وهو يرى العجز العربي ماثلاً أمام عينه،
حينما تُجمع الأموال والمساعدات ولا يستطيع الاستفادة منها؟ على أي شيء يتقاتل أنصار حماس وفتح؟ ومتى يرتفع الجميع إلى مستوى المسؤولية؟ ألا يعرف هؤلاء جميعاً أن التاريخ لا يرحم كل من يتلاعب بمصير شعب دفع من أرواح ودماء أبنائه الكثير؟
وإذا كانت دعوات وقف القتال قد صدرت من الرئاسة الفلسطينية أو من مجلس الوزراء على لسان إسماعيل هنية، أو من الجامعة العربية التي أدانت ما يجري في قطاع غزة، فإن احتواء هذه العمليات والعودة إلى الحوار الجاد يصبحان ضرورة حتمية تفرضها معطيات كثيرة يعرفها ليس فقط زعماء هذه الحركات،
بل الطفل الفلسطيني الذي يدرك عدوه الحقيقي المتربص به والذي راهن يوماً على ما يحدث حالياً وأعطى لنفسه عاماً كي يصفي الأشقاء بعضهم بعضاً من دون حاجة إلى غارات أو اجتياحات أو قصف.
وما من شك أن القضية الفلسطينية قد خسرت الكثير على الساحة الدولية التي تقف اليوم وراء واشنطن التي تعرقل أي محاولة لإيصال المساعدات إلى الشعب الفلسطيني، سواء عن طريق الرئاسة أو بأي شكل آخر.
وما من شك أيضاً أن إسرائيل قد استفادت كثيراً من الإشارات السيئة التي يمكن التقاطها من صورة القتال الفلسطيني ـ الفلسطيني، لتدعي أنه لا يوجد شريك حقيقي يمكن التفاوض معه.
متى يدرك أصحاب القضية أن شعبهم في محنة، وأن التعاطف الدولي معهم أصبح موضع شك، وأنهم بهذا القتال يعودون بقضيتهم إلى الوراء كثيراً؟
وإذا كانت صيحات التنديد قد صدرت من الداخل الفلسطيني أو من بين العرب، فإن الأهم الآن أن يلتقي أبناء الشعب الفلسطيني على كلمة سواء.
haniihanii@hotmail.com