زارني الشهر الماضي أحد الأصدقاء الأميركيين وأسرته الذين تعرفت عليهم أثناء دراستي في جامعة أوهايو الحكومية وظلت علاقة الصداقة بيننا ممتدة ووطيدة حتى هذا اليوم، وهو أستاذ في التخصص نفسه الذي أعمل فيه.
وقد اتفقنا قبل وصولهم على أنه سيدخل معي أحد فصولي الدراسية كمتحدث زائر، يتكلم ويتناقش مع طلبتي عن بعض القضايا المجتمعية المختلفة ذات العلاقة بمجال دراساتنا، وخاصة في المجالات المتعلقة بقضايا المرأة.
كان صديقي هذا محملاً بكثير من الأسئلة التي طلب منه طلبته الأميركيون أن يطرحها على طالباتي بالتحديد، وليس الطلبة من الذكور. أول هذه الأسئلة هو السؤال عن مدى قناعتهن بلبسهن العباية والشيلة وتغطيتهن جسدهن بالكامل، وما إذا كان هذا اللباس ينتقص من حريتهن وحقهن في الاختيار (فريدوم أوف شويس).
هبت إحدى الطالبات قائلة «ما الذي يجعل طلابك يتفكرون فيما نلبس! نحن لا نهتم كثيراً بما تلبسون فلكل منا ثقافته ودينه الذي يوجه مسلكه»، ثم قالت طالبة أخرى بأنفة وقوة «هل الحرية فيما يلبس الشخص أم في كيف يفكر»، ثم تابعت قائلة «سيدي قل لطلابك إننا بشر مثلهم،
قد نختلف عنهم في زينا وعاداتنا ولكننا لسنا متخلفين عنهم في شيء»، وتابعت «زيي لا يعوق حرية تفكيري، وهذا هو المهم بالنسبة لنا». ثم أردفت طالبة أخرى قائلة «ألا ترى يا سيدي أن طلابك بسؤالهم هذا محكومون بالنظرة النمطية للآخر، والمفروض أنهم سيتخرجون كاختصاصيين اجتماعيين، والاختصاصي مطالب بالالتزام بمبدأ أساس من مبادئ الخدمة الاجتماعية وهو عدم التعميم وعدم الحكم المسبق على الآخر، فأين هم من هذا؟
انبهر صديقي الأميركي بقوة حجج طالباتي واتساع مداركهن، قائلاً لهن: كل ما ذكرتنه صحيح ومنطقي وأنا لا اختلف البتة مع ما تقلن، ولكن هذا هو ما يسوقه الإعلام الغربي عن المرأة العربية،
وطلابي محكومون بالنظرة التي يسوقها الإعلام لهم، ثم أردف قائلا: حتى أنا الذي أعتبر نفسي مطلعاً وأسعى بكل الوسائل للتعرف على الآخر ولا ألتزم بما أراه أو أسمعه من مصادر المعلومات المتوفرة لدينا كأميركيين مصدوم، لأنني اكتشفت أنني أيضا متأثر بالصورة النمطية عنكن، وفي الوقت نفسه معجب بحرية تفكيركن وسعة إطلاعكن».
كان المفروض أن يتحدث الأستاذ عن طبيعة ممارسة الخدمة الاجتماعية في الولايات المتحدة الأميركية، ولكن قاطعته إحدى الطالبات قائلة «هل لي بطرح سؤال قبل الخوض في الحديث عن ممارسة الخدمة؟ فقال لها طبعاً تفضلي، أنا أحب أن أسمع منكن أكثر من رغبتي في أن أتحدث» فقالت طالبتي «لماذا احتلت أميركا العراق؟ وأين الديمقراطية التي تعللت بتحقيقها»؟ وتابعت «نحن لا نرى إلا الموت والخوف والدمار».
طأطأ صديقي رأسه ومرت لحظة صمت ثم رفع رأسه قائلا «أنا آسف، وهناك الكثير الكثير من الأميركيين الذين يشاركونني هذا الشعور ويأسفون لما تسببه أميركا للعراقيين، وغيرهم من الأبرياء» ثم تابع «إن الجنود الذين ترونهم في العراق عبر التلفاز هم من الشباب الفقراء الذين دخلوا الجيش لتأمين دخولهم إلى الجامعات والحصول على التعليم المناسب الذي سوف يضمن لهم حياة مستقرة في المستقبل».
فقاطعته إحدى طالباتي قائلة «وهل هذا عدل ؟ ضمان الفقير الأميركي لمستقبله مرهون بقتل آلاف الأبرياء من العراقيين!» فرد «كلامك صحيح، أنا لا أبرر موقف هؤلاء الجنود، ولكن صدقيني هم فعلوا هذا لأنه لم يكن لهم خيار غيره.
هكذا هي في الحقيقة الديمقراطية الأميركية، الفقير فيها كل خياراته الحياتية، إن وجدت، محدودة، والغني فيها حر بمعنى الكلمة، يختار ويحدد حياته كما يشاء، وبينما الخيار الوحيد أمام الفقراء من الشباب اللجوء للجيش لتأمين مستقبلهم التعليمي، هذا إذا لم يخسروا حياتهم في إحدى المعارك، الغني ينتقي المؤسسة التعليمية الأفضل لإكمال تعليمه وهو مسترخ على كرسي مكتبه دون التفكير في الجيش أو غيره كبديل.
كانت زيارة صديقي وأسرته للدولة فرصة جميلة ومثمرة لتبادل الحوار والنقاش في كل القضايا الإنسانية المشتركة. فمن خلال الزيارات والدعوات تسنى له ولأسرته مقابلة والتعرف على عدد جيد من المواطنين والعرب من مختلف الخلفيات والتخصصات، كما تسنى لهم سماع وجهات نظر مختلفة حول سياسة الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك الكثير من القضايا الإنسانية الأخرى.
رحل صديقي الأميركي وهو محمل بتجربة جديدة غير كل التجارب التي مر بها، وبصداقات وعلاقات إنسانية جديدة، وبرسالة واحدة فقط، ولكنها رسالة ثقيلة في وزنها القيمي والرمزي، رسالة طالبه معظم من التقى بهم أن ينقلها لبني شعبه،
وهي متلخصة في التالي: ان اغتصاب أرض وانتهاك حرمة شعب، تحت مسمى تحقيق الديمقراطية، شيء عبثي وباطل وليس له غير تعريف واحد تتفق عليه جميع القواميس المحترمة، «الامبريالية»، وإن القائمين والداعمين لمثل هذه المهمة لا يوجد وصف مطابق لسلوكهم غير أنهم مخلوقات عنصرية وجشعة ومتعجرفة ومغرورة حد الجنون.
إن ما تمارسونه اليوم في العراق وفي أفغانستان باسم الديمقراطية، وما مارستموه سابقا في كل من اليابان وكوريا الجنوبية، وغيرها من الأمم، لم يوصلنا إلا إلى حقيقة واحدة، وهي أنكم لا تريدون غير استغلالنا، ولا تفكرون في غير أنفسكم ومصالحكم الشخصية، وان إصراركم على الكذب والزعم بأنكم قادمون إلينا لتحضرنا أو لتعليمنا الديمقراطية، ما هي إلا أكاذيب ومزاعم لا يمكن أن يصدقها حتى المريض عقليا.
يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر والذي عرف بنضاله ضد الظلم والاستعمار «هل تعلمون أنه بعد مئة وعشرين سنة من استعمار الجزائر لا يزال 80% من هذا الشعب أميا لا يعرف القراءة والكتابة، وأننا حرمناه من تعلم لغته وفرضنا عليه فقط لغتنا ولكن حتى في لغتنا لا يزال أميا في أغلبيته الساحقة.
نحن لم نكن حريصين أصلا على أن يتعلم ويخرج من حالة الجهل والتبعية، لأنه لو خرج فسوف يثور علينا ويطالب بحريته وحقوقه. فأين التحضر (أو الديمقراطية)؟ أين هي الحضارة (أو حقوق الإنسان) التي حملناها للشعب الجزائري؟ كل هذا هراء وأكاذيب.
فالنظام الاستعماري (عسكرياً كان أو اقتصادياً أو ثقافياً) لا يهدف إلا إلى الاستغلال وإبقاء الشعوب تحت السيطرة، ولكي تظل هذه الشعوب خاضعة مطيعة ينبغي أن تبقى جاهلة وأمية لا تعرف مصلحتها ولا تتجرأ على التمرد على أسيادها. هذه هي حقيقة الاستعمار أيها السادة وكل ما يقال عكس ذلك أضاليل».
جامعة الإمارات
albaharm@yahoo.com