ثمّة لحظة مشتركة بين البؤر والملفات الملتهبة في المنطقة ـ ما عدا العراق ـ تتمثل في أنها دخلت، خلال الأيام الأخيرة، في ما يشبه «استراحة المحارب». الأصابع لا تزال على الزناد، لكن تضافرت ظروف وحسابات، أدت إلى نشوء فسحة لالتقاط الأنفاس؛ ربما يُصار خلالها إلى مراجعة المواقف والأوضاع والخروج منها بمقاربات جديدة، تعزِّز احتمالات التوصل إلى تسويات، ولو مؤقتة، إذا لم يكن لحلول طويلة.

أو على الأقل ربما تؤدي في بعض هذه الملفات، إلى وقف الاندفاع السريع نحو الهاوية.قضية دارفور، شهدت ولادة صيغة من هذا النوع. الأطراف التي لم توافق على تسوية «أبوجا» ما زال أمامها أيام عدة، قبل أن تعطي كلمتها النهائية.

الوضع الفلسطيني شبه المشتعل، شهد هو الآخر لقاءات موسَّعة بين «فتح» و«حماس» في محاولة لتدارك التدهور.الساحة اللبنانية، التي تعيش حالة توتر سياسي، اجتازت أول من أمس اختبار تحرك على مستوى الشارع، وأمامها الآن استراحة وجيزة، قبل أن تنعقد جلسة الحوار المقررة يوم 16 الجاري.

أما الملف النووي الإيراني الأكثر سخونة والأخطر، فقد دخل في محطة انتظار، نسب إلى مصادر أوروبية قولها، إنه قد يمتد لفترة تزيد على أسبوعين. درجة الغليان التي بلغها والخلافات الدائرة حوله في مجلس الأمن والتي وصلت على ما يبدو إلى ما يشبه الانسداد، فرضت إحياء التحرك الأوروبي حوله، علّه يعثر على مخرج مقبول من كل الأطراف.

المتداول في هذا الخصوص يفيد بأن الترويكا الأوروبية تزمع عرض سلّة مختلطة، من نوع «العصا والجزرة» على طهران، بعد أن يوافق عليها وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي خلال اجتماعهم يوم الاثنين المقبل في بروكسل.

إدارة الرئيس بوش، تنوي المضي في سياسة العقوبات من خارج مجلس الأمن، إذا رفض تبني فرض مثل هذه العقوبات على إيران. لكن واشنطن أعربت عن استعدادها لإعطاء فرصة أخرى للأوروبيين.

بوابة موسكو، وكذلك بكين،مقفلتان بوجهها في مجلس الأمن. وبالتالي لا بد من البداية الأوروبية. وقد تتيسّر الحلحلة، فهي غير مستبعدة أصوات مختلفة تدفع بهذا الاتجاه وتحذِّر من ولوج سبل أخرى قد تصب في ترجيح الخيار العسكري.

الرئيس الروسي، لفت إلى خطورة استخدام القوة. وزيرة الخارجية الأميركية السابقة أولبرايت ومعها آخرون أميركيون، كرَّرت أمس الدعوة إلى حوار أميركي ـ إيراني مباشر. ممثل المرشد الأعلى في الملف النووي الإيراني عرض احتمال حلّ الأزمة في رسالة نشرها الموقع الالكتروني لمجلة «تايم» الأميركية،

أشار فيها إلى احتمال عودة بلاده إلى الالتزام بالبروتوكول الذي وقّعته مع وكالة الطاقة، بخصوص الزيارات المفاجئة لمفتشي الوكالة.كما اشار الى استبعاد احتمال انسحاب ايران من الوكالة يوحي كل ذلك بأن هناك تحركات جادة لإيجاد مخرج لهذه الأزمة التي أشاعت الانطباع مؤخراً بأنها ربما تكون متجهة نحو صدام عسكري.

قد تكون كل هذه الفسحات للمناورة. أو لشراء الوقت، أو لتسجيل النقاط، لكنها ضرورية وفيها إمكانيات لوضع هذه الملفات على خط آخر، غير الخط المتفجر الذي يحكمها، قائمة. مهما كانت نسبتها فهي قابلة لانفراجات غير قصيرة إن لم تكن مديدة. مربط الفرس في ذلك هو مدى عزم القوى الداخلية على سلوك هذا السبيل. فالخارج يعتاش على أخطاء الداخل وخلافاته.