كلما قلنا إن لبنان يتعافى من جراحه وإنه يتجه نحو الاستقرار وتطوير بنيته التحتية وتجميع طاقاته الاقتصادية وتوحيد قواه السياسية لخدمة شعبه وتحقيق مصالحه الحيوية برزت إلى السطح تجاذبات الواقع المحلي والإقليمي لتنعكس في بيروت دراما سياسية.
في التظاهرة التي أطلق عليها (نقابية/ معيشية) وشهدتها بيروت أمس لا يمكن للمرء أن يفتقد البعد السياسي الفاقع للتظاهرة، حيث جندت القواعد الحزبية صغيرها وكبيرها لاستعراض القوة. وليس بالضرورة لإسقاط الحكومة التي قالت بها قوى 14 مارس.
إذ إن حزب الله غير مرتاح للتوجهات التي تسعى إلى ترسيم المزارع، لأنه يؤدي إلى تجريده من سلاحه بعد أن تتحرر المزارع بأية طريقة. لذا فالحزب يريد أن تبقى حدود المزارع عائمة لكي يبقى سلاحه في يد مقاتليه. وهو ما يخيف بقية القوى السياسية في البلاد التي لا ترى حيازة فئة واحدة للسلاح مفيد للتوازن اللبناني الداخلي.
إن أمر التظاهر في لبنان حق مشروع للبنانيين وهو حق سياسي في هذا البلد الذي يكاد يتفرد بديموقراطيته وحرياته. لكن مناخه الحر أصبح حلبة لصراعات وطموحات الساسة المحليين والخارجيين. وهو عيب لبناني قديم وليس جديداً.
وفي ظل الطائفية المتجذرة التي تجعل من طائفة كاملة تخرج استجابة لإيماءات زعيم حزبي. يمكن القول إنه قد تخرج غداً طوائف أخرى لاستعراض قوتها تلبية لدعوات مماثلة. مما يطلق عليه اللبنانيون (توازن الرعب) وهذا في حد ذاته يردع المتظاهرين وقادتهم السياسيين من أن يتجاوزوا الحدود الدستورية لتغيير واقع سياسي لم يجمع اللبنانيون على تغييره.
وفي ظل هذا الواقع الذي يختنق بالتجاذب السياسي المدعوم إقليميا ودولياً. كان على اللبنانيين أن يدركوا أن خلافاتهم السياسية قد ترمي بدولتهم في أتون التجاذبات الدولية والإقليمية. وقد تجرهم ليكونوا طرفاً في حروب أكبر منهم لا سمح الله، خاصة في ظل التطورات المتفاقمة الخطورة إقليميا. ولذا فإن التعويل اليوم في ظل هذا المناخ الخانق هو على حكمة اللبنانيين وعلى وعي قياداتهم.
إن استخدام المتطلبات المعيشية للشعب اللبناني لمصالح سياسية. واستخدام البسطاء في الصراعات الكبرى خطر غير مأمون العواقب. لأن هذا يهدد جسم الدولة اللبنانية واستقرارها. ويؤثر على مسيرتها التنموية. وعلى القادة اللبنانيين أن يتفقوا على السياسات المحلية على الأقل لكيما يجنبوا شعبهم ويلات الفقر والمرض والبؤس. لأن الشعارات السياسية الرنانة لن تلقم أفواه اللبنانيين الخبز وتدفئ أجسادهم بالعافية.