يشاهد الجميع في داخل الدولة وخارجها النهضة الاقتصادية التي تشهدها دولة الإمارات، وربما يتفق الأغلبية على أن نمو الدولة هو النمو الأسبق والأسرع على مستوى العالم. لا نريد من خلال هذه المقدمة أن نثقل على القارئ بحديثنا عن التوطين الذي أصبحنا نوقن يقيناً تاماً بأنه توجه صناع القرار في الدولة، ولا نريد التذكير بأن التوطين مسؤولية وطنية لابد وأن يتحملها كل منا في مجال اختصاصه،
إنما نريد أن نتساءل عن مسألة لاحظنا انتشارها في بعض المؤسسات والشركات الخاصة الجديدة، مؤسسات تمثل توجهات الدولة وتعكس رؤيتها. المسألة تتعلق بمسؤول أو مدير العلاقات العامة الذي لا يحمل جنسية الدولة، أو الذي دخل الدولة منذ فترة وجيزة ومع ذلك يدير علاقاتها على المستويين الداخلي والخارجي!
قد يعتقد البعض أننا ندعو لتوطين هذه الوظيفة لمجرد التوطين وإيجاد فرص عمل للمواطنين، لكن للقضية أبعاداً تتجاوز ذلك. فاليوم المؤسسات الوطنية الناجحة يفترض أنها تبحث عن أبناء الدولة الذين تتوافر فيهم «الكفاءة» ليمثلوها وليقدموا صورة واضحة عن بلدهم،
خاصة وان نطاق مشاريعنا وسمعة مؤسساتنا تخطت حدود الدولة إلى العالمية. ويفترض أن تكون حريصة على أن يكون مدير العلاقات العامة متشبعا ومستوعبا لطبيعة المجتمع في مختلف المجالات حتى وإن وظفت جنسيات أخرى في هذه الوظيفة.
هذه الملاحظة التي رصدناها في أكثر من مؤسسة أو شركة عملاقة تدفعنا للتساؤل: لماذا نلاحظ جنسيات معينة تحتكر هذه الوظائف رغم أنها حديثة الإقامة في الدولة؟ لماذا يغيب عن هذه الوظائف ابن البلد الذي هو أعلم من غيره بمؤسسات دولته، وشخصياتها، وهو الأقدر على أن يدير العلاقات فيها وفق معرفته التامة بحيثيات مجتمعه وجزئياته.
هل السبب يكمن في عدم وجود مواطنين في هذا التخصص؟ أم أن السبب يكمن في ضعف قدرات المواطنين؟ أم أنه يعود لغياب المعايير وعدم وضوح الأهداف المرتبطة بهذه الوظيفة؟
إن كان السبب هو عدم وضوح الرؤية، فالمنطق يفرض أن تكون الشركات والمؤسسات مستوعبة دور من يقدمها للآخر، ومن يمثلها، ومن يروج لها بدافع وطني أولاً، ومن منطلق واجب الوظيفة ثانياً،
وهذه مشكلة فيما لو وجدت يمكن تجاوزها من خلال إعادة صياغة أهداف هذه الوظيفة في المؤسسات التي تجد أنها غيبت بعض المعايير والأهداف عند اختيار موظفيها.
أما إذا كان السبب يعود لعدم وجود مواطنين خريجين في هذا التخصص، فالحل يبدو سهلا من خلال الجامعات والكليات في الدولة التي ينبغي أن توجه الطلاب للتخصص في هذا المجال، مع أننا نعلم أن هناك العديد من الخريجين في المجال نفسه ومع ذلك هم عاطلون أو يعملون في وظائف لا تتناسب وتخصصاتهم.
أما إذا كان السبب يكمن في قلة خبرة المواطنين الخريجين في هذا المجال فالحل يكون بالاستثمار فيهم وتدريبهم بكل الوسائل الممكنة التي تساعدهم على القيام بمهام الوظيفة المطلوبة منهم.
المسألة واضحة ولا تحتاج لمزيد من التفاصيل. ولا يمكن أن نعهد بهذه المسؤولية، توطين وظيفة إدارة العلاقات العامة، إلى وزارة العمل وحدها أو المؤسسات الأخرى التي تتولى تدريب الكوادر المواطنة وتأهيلها،
إن ما نحتاجه هو أن تبادر المؤسسات والشركات الوطنية الكبرى لضم أبناء الوطن وتأهيلهم وتقديم كل الدعم لهم لشغل هذه الوظيفة وتمثيلها كما ينبغي، من منطلق المسؤولية الوطنية والأمانة الوظيفية. فهل من مجيب؟