الصراع الداخلي الدائر على الساحة الفلسطينية ما هو إلا مرآة صادقة لوضع إقليمي متكامل له امتداداته الدولية المؤثرة أحياناً والحاسمة في غالب الأحيان، وحركتا فتح وحماس لا تمثلان في هذا المشهد سوى رؤيتين مختلفتين تماماً إن لم نقل متناقضتين،
لا مكان في الدعوات للتقريب بينهما لسياسة تقبيل الذقون، لأنهما تخوضان معركة كسر عظم بين معسكرين أوسع نطاقاً من الإطار الفلسطيني، راحا يتبلوران في منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة وهما، دون مواربة، معسكر إيران وسوريا وحزب الله في لبنان وبعض فصائل المقاومة العراقية
وحركتا حماس والجهاد الإسلامي وبعض الفصائل الأخرى في فلسطين ومعسكر الولايات المتحدة والدولة العبرية وحلفاؤهما من الدول العربية والإسلامية «المعتدلة» ، مع التأكيد على مسألة جوهرية في هذه الخارطة السياسية المحزنة وهي أن هاتين الرؤيتين خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا مهما تلونت السياسات وتنوعت.
المدهش في الأمر هو أن قائد الأوركسترا يفعل ما يحلو له في الجنبات القصية من المسرح، بينما يبدي عجزا منقطع النظير في فناء بيته الخلفي، فهناك تعلو الأصوات الخارجة عن الجوقة المنضبطة بصورة تدعو إلى الدهشة حقاً، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذه المجموعة المنضبطة تملك من القدرات والإمكانات الأولية ما يفوق بكثير ما تملكه المجموعة « النشاز» التي تغرد بعيداً عن السرب في أميركا اللاتينية ومناطق أخرى من العالم.
ما يجري على الساحة الفلسطينية الداخلية ما كان له أن يرى النور لولا الأداء المتميز لتلك المجموعة المنضبطة من الجوقة والتي فاقت جودة أدائها جودة أداء معلمها وأقرب المقربين منه، إذ أنها لم تكتف بإتباع سياسة الانبطاح والتخاذل، لا بل والتآمر أحيانا في الميدان السياسي ومحاولات إيجاد حلول سلمية للصراع العربي- الصهيوني التاريخي،
وليس هذا فحسب، بل إنها تعمل على توفير كل الشروط اللازمة لزعزعة الجبهة الداخلية الفلسطينية، التي تعد المدماك الأول في بناء مقاومة الهجمة الإمبريالية الصهيونية ضد المنطقة، وها هي تنصاع مرة أخرى لمشيئة المعلم وتغلق جميع المنافذ الممكنة أمام إمكانية وصول المساعدات المالية والعينية للأراضي الفلسطينية المحتلة.
هذه الممارسة لا تندرج في إطار المواقف التي تتخذها الدول والحكومات على صعيد سياساتها الخارجية، المرتبطة بالضرورة ارتباطا وثيقا بسياساتها الداخلية، بل إنها تدخل في صلب أوضاعها الداخلية وصولا إلى سيادتها، التي باتت على محك إثبات الوجود بصورة فعلية.
وإذا سلمنا بأن هذه المجموعة المنضبطة تقوم بمحاكمة الأمور انطلاقا من منطق فكري وسياسي خاص بها بمعزل عن أي ضغوط خارجية، ألا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية عن سابقاته : ما هي المنطلقات الفكرية أو السياسية التي بني على أساسها ذلك الموقف السلبي حيال نتائج الحراك السياسي الفلسطيني الداخلي؟
وإذا كان الأمر يتعلق بالتماهي مع موقف البلدان الغربية من حكومة فلسطينية تقودها حركة تعتبرها هذه البلدان إرهابية، أليس حريا بتلك المجموعة المنضبطة أن تعود إلى تعريف ماهية الإرهاب؟
وفقا للشرائع والقوانين الدولية، فإن تعريف الإرهاب يتمثل في القيام بأعمال عنف ضد مدنيين بغية تحقيق أهداف سياسية. ولمعرفة هوية الإرهاب والإرهابيين انطلاقا من هذا التعريف المجمع عليه،لا بد من تحديد الجهة أو الجهات التي ينطبق عليها التعريف نفسه،
الذي يقودنا مباشرة إلى أطراف إقليمية ودولية وربما محلية أيضا تمارس هذا الحصار الجائر ضد الشعب الفلسطيني برمته ، مدنييه قبل عسكرييه، لتركيعه سياسياً. من هو الإرهابي إذن؟ ذاك الذي يتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى منذ 58 عاما؟ أم ذاك القابع خلف الياقات البيضاء
ويعيث في أرض فلسطين والعرب والمسلمين قتلا وتدميرا واحتقارا ويتحكم بفتح وإغلاق صنبور سبل العيش، الذي أضحى الفلسطينيون في أمس الحاجة له، والذي لن يرجف له جفن إن تصاعدت أوجه المعاناة التي يعيشها هؤلاء،على غرار إخوة لهم في جزيرة كوبا الكاريبية، التي يحتلها المايسترو الأميركي 45 عاما.