في معظم الحالات والنماذج أصحاب العقائد عادة ما يرفضون المشاريع التي تتعارض مع مبادئهم العقائدية حتى وهم يعملون في المجالات السياسية ويحتلون مواقع أساسية ومهمة أو غير ذلك،

فيغلقون باب المناورة على أنفسهم باعتبار أن الطريق إلى تحقيق الهدف أو الأهداف التي يسعون لها تتطلب بالضرورة اتباع خطاً سياسياً مستقيماً مهما كان أمام هذا الخط من عقبات وحواجز وعراقيل.

أما أصحاب السياسة والعاملين فيها لسنوات طويلة عادة ما يمتلكون هامشاً من المرونة الضرورية التي تزودهم بالإمكانية والقدرة على قبول ما هو مطروح سياسياً إذا ما اضطروا حتى وإن كان هذا لا يمثل ما يطمحون إليه من أهداف نهائية،

على قاعدة ما هو الممكن وغير الممكن وحسابات القوة والضعف، لتخطي مرحلة معينة أو حتى مراحل عديدة إيماناً بأن تحقيق الهدف الأساسي والنهائي قد يتم، وعادة لا يتم عبر تبني خط مستقيم بل عبر خط أو خطوط متعرجة، فيه الكثير والعديد من العثرات والوقفات والتراجعات والشد والرخي والتراجع والتقدم، ولكن دون أن يضيع الهدف الذي يرجى تحقيقه، وهذا هو المهم.

ولذلك عندما يكون عنوان تلك المرحلة هو المفاوضات والمساومة واستعادة حقوق الضعيف من القوي قد لا يكون من الحكمة أن يتشدد أصحاب العقائد أو حتى يتصدروا سدة الحكم والقرارات السياسية والأمنية في هذه المرحلة، ذلك لأنهم قد يقودون الأمور إلى طريق مسدود ويكون الثمن باهظاً للشعب ولهم،

أو أنهم قد يضطرون لتقيم تنازلات استراتيجية دونما مقابل لا سيما وأن المرحلة التي وصلوا فيها إلى سدة الحكم هي مرحلة صعبة وحرجة، ليس عليهم فقط ولكن على جميع الأطراف غير العقائدية الذين يجيدون اللعب في السياسة بحكم التجارب التاريخية السابقة.

والأصل في أن يرفض أصحاب العقائد مبدأ الوصول إلى سدة القرارات والحكم وتحمل المسؤوليات في هذه المرحلة أو تلك هو لتحقيق إحدى الغايتين:

الأولى أن يمنع الانهيار في الموقف عند نقطة محددة بانتظار مرحلة أفضل وأنسب تتناسب مع الظروف المحلية والإقليمية والدولية، لا أن يزيد الانهيار في الموقف في وقت لا يتمكن المحيطان القريب والبعيد من تقديم المعونة والمساعدة ويصبح الموقف أسيراً لمزاج أو أمزجة الأقوياء.

والغاية الثانية أن يتقدم بالموقف إلى ما هو أفضل وأقدر في تحصيل جزءاً من الحقوق أو كلها مرتكزة أساساً على تحسين الموقف والاقتراب من الهدف، وهذا هو الموقف الأفضل سياسياً والأنسب لا سيما عندما يكون الخصم قوياً ومدعوماً ولكنه في الوقت نفسه يفتقر إلى التمادي في اختلاق الحجج والذرائع ليمنع استمرار عملية التقدم والتعاطي مع الطرف الذي يبدي قدراً كبيراً من المرونة، الذي هو بطبيعة الحال يتمتع بقبول واعتراف على المستويين الإقليمي والدولي الوقت.

ومن هذا المنطلق، فإذا كان وصول أصحاب العقائد والتشدد السياسي لا يمنع الانهيار في الموقف السياسي، بل يزيده تعقيداً ويقلل من فرص التقدم السياسي والتفاوضي ويمنع تحقيق مكاسب إضافية ذات أهمية لاستمرار آليات الصمود والتصدي السياسي والاقتصادي والأمني،

فعندها يصبح من الأجدى أن يبقى أصحاب العقائد في خندق المعارضة وليس خندق القرار والحكم السياسي في تلك المرحلة تحديداً، وذلك لضبط بوصلة التحرك السياسي والاستراتيجي للقضية نحو تحقيق الهدف إلى جانب الحركة الشعبية وباقي القوى السياسية والنضالية.

إن ما يحدث في فلسطين الآن هو تماماً عكس ما كان يحدث في الماضي ويجب أن يحدث في الحاضر والمستقبل، وهو أن مؤسسة الرئاسة الفلسطينية ومؤسسة الحكومة في السلطة الفلسطينية تتبادلان الأدوار بشكل غير عادي وغير مرغوب به، فالرئاسة عادة هي التي تمنح الحكومة التفويض الرسمي أو تمنعه عنها للقيام بالتفاوض مع إسرائيل نيابة عنها،

كما كان الأمر عليه منذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994. أما الآن وبعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة في 2006، فقد أصبحت الحكومة هي التي تفوض الرئاسة وتطلب منها أن تقوم بالتفاوض مع إسرائيل بالنيابة عنها بسبب المواقف العقائدية لقياديي الحكومة الفلسطينية الحالية.

والجدير بالذكر أن هذا الانقلاب في الأدوار التي تقوم بها المؤسستان الفلسطينيتان يأتي في الوقت الذي تدرك فيه الحكومة الفلسطينية الحالية أن إسرائيل غير معنية بتقديم أي تنازلات أو حتى بالتفاوض المباشر مع الفلسطينيين للوصول إلى حل يقود في نهاية المطاف إلى قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

على العكس تماماً من ذلك، فإسرائيل تحاول جاهدة وجادة أن تستثمر وجود حماس في سدة الحكم في فلسطين للتشديد أكثر في مواقفها وسياساتها تجاه الفلسطينيين، وهي مدعومة في ذلك من قبل الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة،

أو حتى تجبر حماس في نهاية الأمر إلى تقديم تنازلات سياسية دراماتيكية نحو الاعتراف بإسرائيل ونبذ المقاومة دونما مقابل وقبل حدوث أي تطور سياسي إيجابي في العملية السياسية، الأمر الذي قد يضطر حماس في فلسطين والخارج إلى دفع ثمن سياسي كبير شعبياً ورسمياً.

لقد حان الوقت بشكل جاد إلى أن تدرك القوى السياسية الفلسطينية الإسلامية منها والوطنية أن إعادة تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية للجميع وليس لطرف واحد أو لصالح طرف واحد هو في غاية الأهمية ومصلحة وطنية عليا،

لأن الوضع الفلسطيني الداخلي يواجه عقبات كبيرة وخطيرة، لا سيما بعد الحوادث المختلفة التي أدت إلى اقتتال فلسطيني - فلسطيني، خاصة الفتحاوي - الحمساوي في غزة وغيرها من الأراضي الفلسطينية لصالح طرف واحد وهو العدو الإسرائيلي.

لقد طال إهمال مرجعية منظمة التحرير التي انبثقت عنها السلطة الفلسطينية والحكومة الفلسطينية وجميع السياسات التي قادت إلى طريق التفاوض والسلام وتحرير الأرض الفلسطينية بشتى الوسائل المتاحة وعلى رأسها طريق التفاوض.

ولا يمكن لأي فلسطيني رسمي أو شعبي أن يتخيل أي وقت آخر ليكون مناسباً للمضي في تعزيز وإنهاض دور هذه المنظمة التي تمثل كل الشعب الفلسطيني وليس فقط هؤلاء الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

إن منظمة التحرير المنشطة والمفعلة هي الصمام الأمان لحل كل الخلافات والأزمات والانشقاقات بين مختلف الفصائل الفلسطينية كما كانت دوماً في السابق، وأن استمرار تغييب دورها هو خدمة مجانية تقدم لإسرائيل والقوى الدولية الداعمة لها،

سيما وأن الشعب الفلسطيني يدخل فصلا جديدا وحاسما من فصول القضية الفلسطينية، التي من ضمنها يتم فيها عملية البحث عن أنجع الأساليب لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين وتحديد الحدود النهائية لدولة إسرائيل وتهويد القدس.

لا يحق لأحد في فلسطين سواء كانت حماس أو غيرها من القوى الفلسطينية الفاعلة أن ترفض مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية، وهي ليست كذلك، لأن الانتخابات الفلسطينية والانتفاضات الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية والصمود الفلسطيني ليس إلا عبارة عن أساليب وآليات مهمة وأساسية للوصول إلى تحقيق الحقوق الوطنية التي قبلها الشعب الفلسطيني والعرب والعالم، وأن دور منظمة التحرير إذا ما تم تفعيله،

وهذا واجب وطني يتحمل مسؤوليته كل القوى الفلسطينية، سيعود ليحتل مكانه الطبيعي كإطار وطني وقومي يوفر الشرعية المحلية والإقليمية والدولية، والأهم من ذلك، أنه سيكون المانع من نشوب اقتتال فلسطيني داخلي من جهة، والداعم لممارسة اللعبة السياسية الديمقراطية من قبل كل الفصائل الفلسطينية السياسية والشعبية.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com