نريد أن نصدّق ونقنع أنفسنا بأن ما شهدته غزة، في اليومين الأخيرين، من اشتباكات «حماسية ـ فتحاوية»، كان بمثابة «حادث عرضي» وإن كلا من الطرفين غير معني بتصعيد الموقف»، على حد تعبير ناطق رسمي في حركة حماس.
ونحبّ أن نتعلق ونتمسك بكلام الرئيس الفلسطيني وندافع عنه، عندما قال إن «هناك أطرافاً تحاول أن تحرّض وتثير البلبلة في النفوس من أجل الاصطدامات». نرغب في هذه التفسيرات والتطمينات وننحاز إليها، آملين أن تكون هي الحقيقة، لسببين:
أولاً لأن الساحة الفلسطينية عودتنا على الاطمئنان لصلابة مناعتها ضد الوقوع في فخ الفتنة والحرب الأهلية.
ثانياً، لأنه إذا كان ما حصل، بحجمه ووسائله وخسائره، ناهيك عن أجوائه واحتقاناته، يؤشر إلى تآكل هذه الحصانة فمعنى ذلك أن فلسطين كقضية وكشعب، سائرة نحو نكبة ثانية قد تكون مفجعة ومدمرة أكثر من الأولى.
تصنيف الاشتباكات الدموية التي حصدت حتى الآن، ثلاثة قتلى وأكثر من عشرين جريحاً، في خانة «الحادث العرضي»، أو حصرها «بأطراف معينة تحاول تعكير الأمور والأوضاع، يعني أنها أحداث جانبية كانت بنت ساعتها، قام بها نفر قليل على إثر سوء تفاهم حكمه الانفعال والتسرّع.
طبعاً المسؤولون والحريصون لا يسعهم، في لحظات من هذا النوع، إلا التحدث بهذه اللغة لتهدئة الخواطر وتبريد الأجواء. لكن، على أرض الواقع الأمور مختلفة وخطيرة. وهي تنذر بهبوب أعاصير مدمرة، إذا لم يأخذ التعامل معها المنحى الجذري اللازم.
الخطورة تنبع من عدة معطيات. أولها أن هذه الجولات الدموية لم تقع صدفة ولأول مرة. جاءت في امتداد خلفية معروفة. خلفية علاقات مأزومة ومزمنة، بين الحركتين. ثم صارت متوترة ومتفجرة، سياسياً ثم أمنياً، بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة الجديدة، ثانيها، أنها وقعت في ظل حرب تجويع اُعلنت ضد الساحة الفلسطينية.
الأمر الذي زاد من درجة الضغوط وسرعة العطب. ثالثها، أنها تحصل ومشروع الفصل الأحادي الإسرائيلي بدأت ترجمته على الأرض، ويتهيأ لفصل الانقضاض الأخير على الأرض الفلسطينية ودولتها الموعودة.
إذن، الاحتقان في ذروته، السلاح متوفر بغزارة، الضوابط والمرجعيات الموحدة مفقودة، الحصار خانق والثقة الداخلية شبه معدومة. وصفة تكاد تكون مثالية للتصعيد، وسط مناخ تفوح منه روائح الرغبة في تصفية الحسابات وحسم موازين القوى.
والمؤسف أن الخطاب السائد وكذلك الممارسة على الأرض يعكسان ذلك. فالاعتداءات المتبادلة باتت تحصل بوتيرة متزايدة. ترافقها اتهامات بالخطف والتهديد وعرض العضلات وإطلاق نار على المواكب. اتهامات قد تكون جميعها أو بعضها صحيحة. لكن المشكلة ليست هنا.
ما يدور يعكس وجود أزمة وطنية مستفحلة، تنحو باتجاه الحسم وليس باتجاه التسوية الائتلافية. هنا يكمن لبّ المأزق. والباقي تفاصيل وإفرازات محكومة بالتراكم والتفاعل.
لاسيما إذا بقيت المعالجات في حدود الدعوات إلى «الاحتواء» و«التطويق»، أو المطالبة «بإقالة» هذا المسؤول الأمني أو ذاك. وحتى لو بلغت حدود «التحقيق» في هذه الاشتباكات لتحديد المسؤولية و«محاكمة المشاركين» فيها. فهذه إجراءات تطال العوارض ولا تتصدى لجذورها.
كما ليس كافياً أن يسارع كل طرف، بعد كل جولة، إلى «التحذير» من اللعب بالنار ومن شروره القاتلة.الوضع الفلسطيني معطوب في الصميم. يلزمه تشريح على طاولة حوار وطني شامل صريح لإجراء عملية استئصال العطب والانطلاق من هناك. وإلا فليس أمامه إلا المزيد من البضاعة ذاتها.