قيام دولة كبرى تضم أقليات الشعب الكردي في كيان موحد مستقل هو قطعا رابع المستحيلات. فالدول الراسخة الأربع ـ سوريا والعراق وإيران وتركيا ـ التي تضم كل منها أقلية كردية لن تسمح بذلك إطلاقا.

أما الاستقلالية النسبية التي تتبجح بها كردستان العراق حاليا فلن يكتب لها الدوام لأن بقاءها قيد الحياة مرتهن أولاً وأخيراً إلى القوة الاحتلالية الأميركية في الأراضي العراقية . وهو متغير حتمي الزوال طال الزمن أم قصر.

أكراد العراق سكرى بالنشوة هذه الأيام بعد أن شكلوا أول حكومة موحدة لاقليم كردستان تجمع إربيل مع السليمانية. واللهجة التي تكلم بها قادتهم في الاحتفال بتشكيل الحكومة توحي وكأنهم أقنعوا أنفسهم بأن كردستان أصبحت دولة مستقلة أو على الأقل خطت خطوة عملاقة على طريق الاستقلال.

ولو أنهم قلبوا النظر عبر الحدود يمنة ويسرة لرأوا حشودا عسكرية إيرانية من جهة وحشودا تركية مماثلة في جهة أخرى كتذكار لهم بأن تحقيق استقلال كردي حقيقي دون حروب شرسة تتحالف فيها إيران وتركيا مع سوريا وعراق المستقبل بعد أن يتعافى من الحالة الاحتلالية.

ان قيادات الأقليات الكردية بحاجة إلى صحوة من حلم الاستقلال الوهمي ليدركوا أن الحقائق الجيوـ سياسية عامل أساسي ـ إن لم يكن أهم عامل ـ في تقرير مصائر الشعوب والأمم. ومن بين هذه الحقائق أن الحيلولة دون قيام دولة كبرى للشعب الكردي أو دولة صغرى لأقلية كردية ـ مثل كردستان العراق ـ عقيدة في الثوابت تتشارك فيها الدول الأربع المشار إليها علماً بأنها كيانات يربط بينها جوار جغرافي.

إدراك هذه الحقيقة سيقود بالتداعي المنطقي القيادات الكردية في سوريا والعراق وإيران وتركيا إلى الخيار المصيري الأوحد المتاح لمستقبلهم وهو الاندماج الثقافي: اندماج كل أقلية كردية في مجتمعها، ولمَ لا؟

إن ما بين الشعب الكردي بكل أقلياته والشعوب السورية والعراقية والإيرانية والتركية الوشيجة الدينية الإسلامية ـ الأقوى وشائج الانسجام الحضاري.

وربما ترى الأقليات الكردية التمسك بلغتها الخاصة، لا بأس في ذلك.. لكن على أن يكون تعليم اللغة القومية السائدة في كل من البلدان الأربعة المذكورة إجبارياً للأجيال الكردية الصاعدة. والواقع أن الأجيال الكردية الجديدة في كل من هذه البلدان تتحدث اللغة القومية بصورة طبيعية.

فلو كنت غير عراقي فإنك لن تستطيع أن تلمس فارقاً بين مثقف عراقي عربي ومثقف عراقي كردي في التكلّم بالعربية. وبالنسبة للأكراد في سوريا والعراق بصفة خاصة، فإن من المفترض أن يكون لهم شغف وعشق للغة العربية ـ لغة القرآن الكريم ـ باعتبارهم مسلمين. وفي كل الأحوال فإن لغات أقلية كاللغة الكردية مرشحة للزوال التدريجي مع تعاقب الأجيال.

إن على قادة الأكراد العراقيين أن يدركوا أيضاً أن الحماية الأميركية لكردستان ليست كالحماية الأميركية لإسرائيل. فالحالة الأولى تكتيكية مرتهنة إلى ظروف وقتية، في حين أن الحالة الثانية مؤسسة على ثوابت استراتيجية مستديمة.