لما رأت ابنتنا حصة ذات الأحد عشر ربيعا جمال عبد الناصر على شاشة التلفزيون وسط الجماهير، سألتني وأمها عنه. أجبنا بأنه قائد ثورة يوليو الذي أعلن تأميم قناة السويس و... لاحظنا ابتهاجها لأنها اكتشفت سر اسم الطفل جمال ابن جارنا عبد الناصر. لكنها تساءلت : ما التأميم ؟
وفي الواقع هناك من يكبرون حصة بكثير لم يسمعوا بالتأميم. وحتى الكبار الذين عاصروا تأميم صناعة النفط الليبية والعراقية من شركات النفط العالمية أو المحاصصة معها في بلدان الخليج، بدأوا ينسون التأميم والمحاصصة أمام ظواهر اليوم المضادة بإعادة صناعات النفط والغاز إلى ملكية الشركات الأجنبية كما في بعض بلدان المنطقة. وبين فضول الصغار للمعرفة ونسيان الكبار يعيد التاريخ نفسه هذه الأيام، ولكن في منطقة غير منطقتنا.
في يوم عيد العمال العالمي أعلن إيفو موراليس رئيس بوليفيا المنتخب قبل نصف عام قرار تأميم صناعة النفط والغاز. وأعطى الشركات العاملة في بوليفيا مهلة 180 يوما من أجل إعادة صياغة العقود معها.
وبهذا القرار بسطت شركة النفط البوليفية الوطنية YPFB سيطرتها على حقول النفط والغاز وأنابيب نقلهما ومصانع التكرير التي تشكل مجتمعة 56 مشروعا.
حدث ذلك في ظل أسعار النفط العالمية المرتفعة والأوضاع غير المستقرة في الشرق الأوسط خصوصا، إذ في اليوم التالي لإعلان التأميم ارتفع سعر النفط ماركة برنت بمقدار 40 سنتا ليصبح 30 ,74 د/ب رغم أن حصة بوليفيا العالمية من احتياطي مواد الطاقة لا تتعدى 05 ,0%. ولأول وهلة أثار ذلك قلق المستثمرين.
المستثمرون البوليفيون دعوا إلى إضراب يوم واحد. الرئيس البرازيلي دعا إلى اجتماع طارئ لمجلس وزرائه. وكذلك فعلت الحكومة الأسبانية. أما بريتيش غاز فأومأت بدبلوماسية إلى أنه حين يكون الدخل غير مناسب ستفكر في الخروج من بوليفيا.
كما أبدى الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا قلقه. وأبدى عدد من الخبراء والمراقبين خشيتهم من أن القرار البوليفي لم يأت على أساس من دراية ودراسة عقلانية. وحذر بعض المراقبين مما أسموه «بالوطنية الطاقية» التي تنطلق نزعتها من بوليفيا.
لكن وليم باورز الكاتب الصحافي في نيويورك تايمز قال عن كل هذه الضجة «إنها دخان بلا نار». وأوضح المسؤولون البوليفيون أنهم درسوا الأوضاع بكل روية.
وأن ما يجري هو إعادة الأمور إلى وضعها الدستوري. فالخصخصة التي جرت في منتصف التسعينات لم تقر من قبل البرلمان. وكان ذلك من جملة وضع الفساد المستشري.
فتقرير الشفافية الدولية صنف قادة بوليفيا السابقين من بين أكثر الأفاقين في العالم. وقد نشروا الفساد في قطاعات الموارد الطبيعية كالذهب والفضة والأخشاب والنفط والغاز التي تمت خصخصتها لصالح قلة من المتنفذين البوليفيين والشركات الأجنبية. لكن ما جرى لم يكن تأميما بمعنى المصادرة وطرد الشركات كما حدث في القارة في خمسينات وسبعينات القرن الماضي.
بل إن الحكومة البوليفية كررت أنها ستخلق الظروف المناسبة لكي تحقق الشركات هامشا معقولا من الربح عند مستوى 20%، وهو متوسط ما تحققه صناعة النفط العالمية حاليا. ذلك رغم الشعار الذي رفعته الجماهير: «مصادرة أصول الشركات دون تعويض».
وفي الأيام الأولى اتضح الكثير من الأمور. ويبدو الآن أن الشركات البريطانية والأسبانية والبرازيلية لا تهيئ نفسها للرحيل. وتعرف أنها لن تحقق الأرباح الطائلة السابقة، لكنها ستظل تحصل على أرباح وفق القواعد الجديدة. أما شركة شل فقد أكدت أنها حريصة على بقاء مساهمتها في قطاع الهيدروكربونات البوليفي.
ولم يركز اجتماع قمة الدول الأربع (بوليفيا، الأرجنتين، البرازيل وفنزويلا) على التأميم البوليفي بقدر ما صب اهتمامه على مشاريع النفط والغاز الضخمة، وخصوصا خط أنابيب نقل الغاز الذي سيكلف حسب التقديرات الأولية 20 مليار دولار.
وهو معقد بشكل استثنائي إذ سيمتد مسافة 8000 كلم عبر أدغال الأمازون. وقد طمأن الرئيس البوليفي البرازيل بأن إمدادات الغاز ستتواصل بنفس كمياتها السابقة. وسيتفق على الأسعار في إطار مفاوضات ثنائية. وكانت بوليفيا تطالب برفع الأسعار إلى الضعف، حيث إنها تبيع الغاز للبرازيل والأرجنتين بأقل من ثلث الأسعار العالمية.
ورغم عدم ارتياح الشركات البرازيلية إلا إن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا أكد بأن قرار التأميم يتجاوب والنهج المعلن بجعل الموارد الطبيعية خاضعة لسيطرة الدولة، وأن ذلك حق سيادي لبوليفيا.
إن ما فعلته بوليفيا في الواقع، وعلى حد قول وزير طاقتها سوليز رادا، هو أنها فتحت الصناديق السوداء لشركات النفط والغاز، وأن الرئيس البوليفي، كما يقول نظيره الفنزويلي تشافيز:
« يفكر في المقام الأول في سيادة بلده ويريد أن يسخر النفط والغاز لخدمة الشعب ومن أجل مكافحة الفقر والجهل». فبسبب قادتها السابقين أصبحت الأوضاع المعيشية في بوليفيا ذات التسعة ملايين نسمة أسوأ مما كانت عليه قبل عشرين عاما.
ونصف السكان يعيش بأقل من دولارين في اليوم. وهي شبيهة ببلدان كثيرة أخرى في أميركا اللاتينية التي أصبحت ضحية توجهات الليبرالية الجديدة.
وهذا ما جعل شعوب هذه البلدان تنظر باحترام إلى الحكومات اليسارية في أميركا الجنوبية، وساعد على إحداث نهوض يساري عارم في هذه القارة التي عرفت في السبعينات «بالقارة الملتهبة».
لم يكن موراليس وحيدا في هذه المعركة. وعلى إثر إعلان التأميم التقى قادة فنزويلا، كوبا وبوليفيا ووقعوا اتفاقية تجارية ثلاثية لمواجهة التأثير الأميركي في أميركا الشمالية، وتتضمن التعاون في المجالات الاجتماعية والسياسية وفي الطب والتعليم.
وقد أطلق على هذه الاتفاقية اسم «ألبا» أو (البديل البوليفاري للأميركتين) في مواجهة مشروع واشنطن حول منطقة التجارة الحرة. وقد أعرب كاسترو عن أمله في أن تلتحق كل دول أميركا اللاتينية باتفاقية (البديل البوليفاري).
