لقد نشبت حربان عالميتان في النصف الأول من القرن العشرين، وكانتا صراعاً بين الدول الأوروبية على مناطق النفوذ وضد النازية، وجرفتا في طريقهما دولاً وقوى مختلفة كما أفسحت المجال بسبب مصالح قوى دولية مثل الولايات المتحدة واليابان والاتحاد السوفييتي للتأثير فيهما.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين شهد العالم الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية والاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي وشهد سباق التسلح والتدخل في شؤون الدول النامية المتخلفة لتعزيز موقف كل منهما ضد الآخر .

وانتهت بسقوط الاتحاد السوفييتي وانفراد القطب الواحد الولايات المتحدة الأميركية بالسياسة الدولية، ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين ونحن ندخل حرباً عالمية رابعة مختلفة كلية عن الحروب العالمية الثلاث السابقة والتي أطلق عليها الحرب على الإرهاب.

وإذا كان العرب قد تأثروا بالحروب العالمية الثلاث السابقة سياسياً واقتصادياً فإنهم اليوم يتأثرون بالحرب الجديدة سياسياً وبشرياً وفكرياً، ولا ندري ما يخبئه لنا القدر في هذه الحرب أو غيرها في المستقبل.

ولنبدأ بتحديد أطراف الصراع وقواه. وبدأت الأزمة بأحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية ولأول مرة يكون التحدي مزلزلاً في داخل الولايات المتحدة من قوى خارجية منذ الحرب العالمية الثانية، ومست الاحداث بعمق كرامة وكبرياء وقوة الولايات المتحدة.

وكان رد فعل الإدارة الأميركية خوض حرب لا هوادة فيها ضد الإرهاب الذي حددت هويته وملامحه على انه جاء من الشرق ومن قبل المسلمين بزعامة تنظيم القاعدة الأصولي الإسلامي فاجتاحت أفغانستان بحرب خاطفة، وحددت مثلثاً أسمنته مثلث الشر المعادي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط والأقصى يتكون من العراق وإيران وكوريا الشمالية.

ودخلت حرباً لإسقاط نظام حزب البعث في العراق متهمة اياه بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وتمكنت من اسقاطه واحتلال العراق، ثم كان ولا يزال الوضع العراقي صعباً وكلف الولايات المتحدة الكثير بشرياً واقتصادياً وسياسياً.

ولم تستقر الأوضاع في العراق لتبدأ في تصعيد جديد ضد الأوضاع في إيران بعد إعلان إيران عن امتلاك تكنولوجيا نووية قد تقود في المستقبل إلى صنع قنبلة نووية.

وحددت الولايات المتحدة مع أنصارها في العالم رؤيتها للإرهاب، فما معناه وما هي قواه الأساسية والحقيقية؟

الإرهاب: هو عمل عنيف ضد الأبرياء والمدنيين بدوافع فردية أو ايديولوجية. وقد كان الإرهاب موجوداً في كل المجتمعات وعبر العصور المختلفة، وكانت ممارسته لأسباب مصلحية أو سياسية أو اجتماعية.

ونتيجة ذلك في كل الأحوال ازهاق الأرواح البريئة، وخراب للممتلكات، وانتصار للقوة والتسلط. لكننا اليوم نشهد إرهاباً من نوع جديد يحمل مفهوماً مختلفاً عما كان في السابق واختلطت الأوراق بحيث أصبح الإرهاب لدى البعض عملا نبيلا هادفاً، ولدى الآخرين عملا مخرباً ومدمراً.

فالكفاح الوطني في فلسطين تعتبره إسرائيل إرهابا بينما يعتبره الفلسطينيون والعرب نضالا وطنيا مشروعا. وقتل الأبرياء في العراق يعتبره الذين يقفون وراءه كفاحاً ضد المحتلين الأميركيين للعراق لزعزعة النظام الذي يعتبرونه متعاوناً مع الاحتلال وهكذا وفي مقدور كل طرف ان يوجد المبررات والنصوص التي تدعم رأيه.

وبعد عناء طويل وتضحيات جمة وخسائر بشرية هائلة سيجد أولئك الذين يقومون بالأعمال الإرهابية بأن نتيجة اعمالهم ربما تنقلب عليهم ليمارس الإرهاب من نوع آخر ضدهم، والخسائر في كل الأحوال الشعوب والفقراء والأبرياء الذين كانوا يأملون بالأمن والاستقرار وتحسين أحوال المعيشة ليعيشوا كباقي البشر حياتهم ويساهموا في تطوير مجتمعاتهم.

ان القاعدة التي لا مفر منها هي: ان من يمارس الإرهاب سيمارس الإرهاب ضده عاجلاً أم آجلا، ولو أدرك الإرهابيون ذلك لربما تراجعوا عن ممارسته، بيد أن الأمر خطير عندما يرتبط بالفكر، فالايدلوجيا تسيطر على الإنسان بعد ان يتشربها المرء إلى حد انه لا يرى غيرها.

ويدور في فلك نصوصها ويخضعها لتفسيره وتأويله الأحادي لينقلها إلى التطبيق العملي سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية وتكون النتيجة أعمالاً ارهابية تذهب اعداد من الأبرياء ضحيتها عندها يطلق التبريرات التي تبيح ذبح الأبرياء من أجل الرسالة التي يحملها.

وقد لا يحمل أية رسالة أو انه وضع في اطار مجموعات منظمة لها أهدافها يستخدمون المنفذين مرتزقة وبأجر في كثير من الأحيان لتحقيق الهدف الذي اختاره ورسمه قادة المجموعات الإرهابية.

ان اخطر ما يواجه البشرية اليوم والعرب خاصة هو البيئة الحاضنة للإرهاب، والخطأ الذي ترتكبه بعض الأنظمة هو أنها تتعامل مع الفعل برد الفعل، ومع الإرهاب بإرهاب مضاد، لا ليس ذلك هو الأسلوب والنهج لمواجهة الخطر في هذه الحرب العالمية الرابعة، المسألة تحتاج إلى استراتيجية واعية تبدأ بالتربية والتعليم في المراحل الدراسية الأولى .

وباشاعة وتعليم التسامح والاعتراف بالرأي الآخر وكيفية التعامل معه بالحوار هذا أولاً، ثم نشاط ثقافي ناضج وواع لإحلال الحوار وسيلة للتفاهم بين المتناقضات مكان أي وسيلة أخرى.

بعدها تأتي عملية قانونية اجرائية تلعبها الدولة والمجتمع المدني في وضع حد لنشاط حاضنات الإرهاب الصامتة والمغلفة أطروحاتها بالتبريرات والنصوص الدينية وغيرها أيضا، العمل على تجفيف منابع الإرهاب ووسائل دعمه المادية والاقتصادية مع الحذر والانتباه ان كثيراً من الاعمال المشروعة قد وصفت بالإرهاب زوراً مثل الكفاح الوطني ضد المحتل وفلسطين مثال واضح على ذلك.