رسالة الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، إلى نظيره الأميركي، جورج بوش، أحدثت ضجة كبيرة وأصداء واسعة. منذ الإعلان عنها أول من أمس، وسيرتها طاغية على الساحتين السياسية والإعلامية، من طهران إلى واشنطن وما بينهما.

شغلت المعنيين والمراقبين، أكثر من أي تطور آخر في المنطقة، بما فيها الملفات الملتهبة، وما أكثرها، مع أنه لم يكشف النقاب عن مضمونها، لكن مجيئها خارج التوقع فاجأ الجميع وربما تسبب بنوع من الإرباك، هنا أو هناك.

فالمخاطبة بهذه الوسيلة وعلى هذا المستوى وبالعلن، بين الطرفين، مقطوعة منذ حوالي ثلاثة عقود، لا مراسلة بينهما ولا اتصال. فقط جفاء وارتياب وأزمات وتراشق بالقنابل الصوتية والإعلامية.

ثم إن التوقيت كان من بين الأسباب التي أثارت الاهتمام وطرحت التساؤلات حول هذه المبادرة ـ المفاجأة الإيرانية. أهم هذه الأسئلة: هل تكون رسالة نجاد إلى بوش محطة فارقة؟ بمعنى آخر: هل تكون حجر الزاوية أو المدماك في عملية بناء جسر تفاهم وحوار بين العاصمتين؟

لا شك أن هذه الخطوة سرقت الأضواء واستوقفت كافة اللاعبين. تركت الانطباع بأن طهران أخذت زمام المبادرة في الاتصال. وبدت وكأنها محاولة للتهدئة. ثم إنها بدت أيضاً وكأن طهران رمت الكرة بالملعب الأميركي.

يبقى مثل هذا الاعتقاد سارياً على الأقل لغاية صدور رد رسمي علني أميركي، على الرسالة طبعاً قد لا تكون هذه الأخيرة أكثر من مناورة، أحسنت التوقيت. لكن في الواقع، أنها خروج على المألوف.

ومن غير المعروف الآن إذا ما كان هذا الخروج يشكل نقطة ارتكاز للبناء عليه باتجاه يضع الأزمة النووية الإيرانية، التي فاقمت العلاقات بين واشنطن وطهران، على سكة غير التي تسير عليها في الوقت الراهن، لكن المعروف أو الذي يمكن افتراضه من دون مجازفة، أن إيران تريد الابتعاد عن شرب كأس العقوبات وكأس تردّي العلاقات مع المجتمع الدولي فالملف صار على طاولة مجلس الأمن.

ومجموعة الكبار ما عدا موسكو وبكين، تقدمت بمشروع قرار «يحث العالم على الامتناع عن تزويد إيران باللوازم النووية، ويدعو هذه الأخيرة إلى وقف نشاطات التخصيب لليورانيوم وإلا تعرضت لإجراءات لاحقة». وفي ذلك إشارة إلى احتمال فرض عقوبات ضدها.

وفي إيران نفسها بدأت تطلع تحذيرات من التصعيد وتحث القيادة على التخفيف من حدة خطابها، ويعكس ذلك تخوف من أن تندفع الأمور، تحت خطط التأزيم، إلى وضع يجر إلى مواجهة عسكرية.

من جهة ثانية تبدو إدارة بوش محشورة بما فيه الكفاية في العراق، حسابات احتلالها أدت إلى تخبط واضح؛ عكسته قبل أيام التغييرات والاستقالات التي شهدتها لندن وواشنطن؛ على مستوى الوزراء والمديرين.

المنطقة هي الأخرى، مثقلة بالبؤر الساخنة المتفجر منها والمرشح للانفجار. كما أن الساحة الدولية ليست في وضع يجعلها قادرة على احتمال أزمة جديدة في الشرق الأوسط وأسعار النفط في حالة جنون.

هل تتقاطع كل هذه المصالح عند نقطة الرسالة الإيرانية لتجعل منها بداية لتقديم خيار الحوار ومعالجة الأزمة النووية الإيرانية في إطاره؟ إذا صفت النوايا كلها، يمكن العبور إلى هذا الخيار من هذه البوابة. فمن مصلحة كافة الأطراف أن يتحقق ذلك.