صارت الحياة في العراق ليس أكثر من فسحة بين وجبة موت وأخرى. دولاب حصد الأرواح وقصف الأعمار، لا يتوقف عن الدوران، الإنسان العراقي ليس أمامه سوى خيار واحد من اثنين:

إما مقتول وإما قتيل مؤجل، سقوط عشرات الضحايا الأبرياء يومياً، بات عملية تحصيل حاصل. وكأن الإعدام على الهوية أصبح بمثابة قدر أسود، لا فكاك من سيفه وحكمه.

تسونامي إبادة بالتقسيط، استوطن أرض الرافدين وجعل منها طاحونة لفرائسه، ومع الوقت كبر الجرح واشتد النزف، بحيث باتت بالوعة موت العراقيين تهدد بالتحول الى بالوعة موت للعراق ،اللحظة الراهنة مفصلية:

إما بذل جهود خارقة، عراقية وعربية وإقليمية ودولية، لوقف ،أو على الأقل، لفرملة هذا النزف الانتحاري ومعالجة أسبابه الداخلية والاحتلالية، وإما لن يبقى ما يمكن انقاذه في العراق الذي نعرفه.

مكمن الخطر الداهم لا يكمن فقط في أرقام القتلى والقتل العشوائي المتبادل، بل أيضاً في التمادي بتعميق الشرخ، مع ما يرافقه من تمادٍ في تطويل عمر الفراغ السياسي، وترك الساحة بالتالي لقمة سائغة للعبة التصفيات والتصفيات المضادة، حصيلة أول أمس مرعبة، ليس فقط على مستوى عدد الضحايا، بل أيضاً على مستوى ما وصلته عمليات الانتقام من تفظيع .

وتبشيع بالجثث المرمية، في الزواريب، وإلى الحد الذي عجز معه أهالي القتلى من التعرف على بقايا جثامين موتاهم. وتتحدث التقارير بصورة متزايدة عن تنامي ظاهرة «فرق الموت» التي باتت تفرخ في الشوارع والأحياء، بذريعة الحاجة إلى الدفاع عن النفس.

وكذلك تتزايد الإشارات إلى علامات أخرى، لا تقل خطورة، مثل عمليات التهجير والتطهير وما استتبعته من إقامة مخيمات لاجئين، وتسليط الأضواء على مدن ومناطق أخرى مختلطة تجري الاستعدادات والحشودات للانقضاض على الأقليات فيها وجعلها صافية الولاء والانتماء.

وفيما تتوالى فصول هذا التمزيق الدموي للنسيج العراقي، يواصل العالم صمته وتفرجه على المشهد النازف، كما يتواصل التأجيل لعملية تأليف حكومة «الوحدة الوطنية». وليس سراً ان التأجيل هذا يفرضه صراع على الحصص وجولات من حرب الشروط والمطالب والشروط المضادة.

والخشية، في نهاية المطاف، انه عندما تولد الحكومة ربما تكون الأحداث قد سبقتها وتفاقمت الى حد يعكسها بصورة سلبية على التركيبة الحكومية، وحتى ذلك الحين تكتفي القوى السياسية، بعد كل مذبحة أو عثور على كومة من الجثث.

بالتعبير عن الاستنكار والإدانة ورفض الفتنة، مع رزمة التحذيرات التي صارت مفرداتها معروفة سلفاً لكثرة ما تكررت، لكن ما يحصل على أرض الملعب السياسي لغة أخرى مختلفة تماماً.

الاحتلال وبالتحديد واشنطن، في حالة ارتباك وهو مشغول بورطته وليس معنياً بوقف النزف الداخلي، آخر همومه تذابح العراقيين، المعني بهذا التدهور المريح السائر باتجاه كارثة، هم أهل الدار من عراقيين وعرب أساساً،.

وجوار وأطراف عالمية ثانياً، فالتمادي في التصفيات وتركها على مسارها ومنحاها المتفاقم، محكوم بتوليد ردود مماثلة تتناسل عن بعضها، من غير سقف، الآن لحظة التحرك، اذا كان بالنية وبالإمكان التحرك، واذا كانت الامكانية غير متوفرة فلابد من ابتداعها.. وإلا فإن البديل المعروف قادم.