لن يتسنى استخلاص ملاحظات مفصلة بشأن اتفاق أبوجا للسلام الذي جرى التوقيع عليه بين الحكومة السودانية وتنظيم «جيش تحرير السودان» الدارفوري إلا بعد دراسة النص الكامل للاتفاق.
لكن إجمالاً يمكن القول ان بنود الاتفاق قد تتصادم مع بروتوكولات وبنود اتفاق نيفاشا بين الحكومة و«الحركة الشعبية» الجنوبية وما أفرز من ترتيبات ومؤسسات على أرضية التطبيق.
لتحاشي مثل هذا الصدام مقدما مارس ممثل الولايات المتحدة ضغوطاً على قادة فصائل التمرد لتتنازل عن مطلبها الإلحاحي باستحداث منصب نائب إضافي لرئيس الجمهورية السودانية ليشغله ممثل عن أهل دارفور تحديداً ويكون في المستوى نفسه السلطوي النائب الأول لرئيس الجمهورية الذي حصلت عليه «الحركة» الجنوبية.
فالولايات المتحدة التي كانت الوسيط الرئيسي بين الحكومة والتنظيم الجنوبي تدرك أكثر من غيرها أنه لو استجيب لمطلب الفصائل الدارفورية لأدى ذلك عملياً الى نسف أهم بند من بنود قسمة السلطة في اتفاق نيفاشا.
«مؤسسة الرئاسة» التي نص عليها اتفاق نيفاشا تتكون حصراً من رئيس الجمهورية ونائب أول ونائب ثانٍ على ان يكون النائب الأول رئيس «الحركة الشعبية» الجنوبية وأن يتمتع بصلاحية الفيتو في ظرف معين ـ مثل إعلان حالة طواريء. وإذن لا مكان لنائب أول إضافي بنفس المواصفات كما يطالب قادة التمرد الدارفوري.
أما ما جعل ميني اركوا ميناوي زعيم أحد فصيلي «جيش تحرير السودان» يوقع اتفاق أبوجا فلأنه القائد الوحيد الذي ارتضى المساومة في هذا المطلب فوافق على اقتراح الوسطاء بخفض سقف المطالبة من مستوى نائب رئيس الجمهورية بصلاحيات كاملة الى مستوى مساعد رئيس يأتي في المرتبة الرابعة.
لكن المعضلة لا تتوقف عند هذا الحد. فأي قسمة للسلطة في اتفاق أبوجا ستؤدي عند التطبيق الى الإخلال ببنود اتفاق نيفاشا.. ذلك لأن اتفاق نيفاشا مبني في هذا الصدد على معادلات حسابية محددة ودقيقة.
على مستوى الحكم المركزي، وخاصة مجلس الوزراء والبرلمان، فإن العضوية قسمت على أساس نسبة 52 في المئة لحزب «المؤتمر الوطني» الحاكم و28 في المئة للحركة الجنوبية.
أما الـ 14 في المئة الأخرى فقد وزعت على أحزاب ومنظمات أخرى شمالية وجنوبية. وبناء على هذا التوزيع الرقمي شكلت «حكومة الوحدة الوطنية» الراهنة.
وعليه فإنه مهما بلغت النسبة المئوية المخصصة لدارفور في مؤسسات الحكم المركزي فإن السؤال الذي يطرأ هو على حساب أية جهة جرى استرضاء دارفور؟
ونطرح التساؤل بصيغة أخرى: هل يقبل المؤتمر الوطني بخصم نصيب دارفور من نصيبه فيفقد بذلك أغلبيته؟ وهل تقبل الحركة الجنوبية بخفض نصيبها؟ أم هل يجري اقصاء ممثلي الأحزاب والمنظمات الشمالية والجنوبية الأخرى من حكومة الوحدة الوطنية.
وعلى هذا المنوال استعرضت المؤسسات الأخرى الثانوية ـ مثلا «مجلس الدفاع المشترك» و«مفوضية النفط القومية» ـ فعضويتها جميعا مبنية على معادلة حسابية حصرية بين شريكين اثنين فقط بحيث لا تحتمل شريكاً إضافياً.
هل تجري تعديلات إذن على اتفاق نيفاشا؟ ومن يستطيع تعديل نيفاشا الذي تضمنه وتحرسه رسمياً قوى دولية في مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمم المتحدة؟