في مؤتمر إعلامي مشهود انعقد في باريس مؤخراً أعلنت نخبة من أبناء المغرب العربي عن تأسيس الرابطة المغاربية من أجل الديمقراطية، وهي مبادرة التف حولها جمع كريم من المغاربيين والمغاربيات من الجزائر وتونس والمملكة المغربية وليبيا وموريتانيا.

وسعى إلى انجازها الإعلامي التونسي الأستاذ عمر صحابو مؤسس ورئيس تحرير مجلة المغرب وأحد أبرز الأقلام العربية منذ مطلع السبعينات والمناضل الذي أخلص للمثل الأعلى المغاربي على كل الأصعدة.

وهذه البادرة القيمة تأتي على خلفية ضمور فكرة الوحدة المغاربية وتعثر العمل الرسمي في الحكومات المغاربية في تحقيق حلم أجيال عديدة من شعوب الشمال الإفريقي في الوحدة بسبب تواصل المعضلة الصحراوية وعدم جرأة بعض الحكومات المغاربية على اقتحام التجارب الديمقراطية والتلاؤم مع العصر.

وتجمع الرابطة قائمة بأسماء مؤسسيها من البلدان الخمسة ومن مختلف الأجيال، من وزراء وسفراء ونواب برلمانيين سابقين وأساتذة جامعيين ونشطاء حقوقيين من رجال ونساء يجمع بينهم .

كما أعلن بيانها التأسيسي الوفاء لكوكبة من الشهداء الأبرار الذين لقوا ربهم منذ تاريخ استعمار الجزائر عام 1830 إلى تاريخ تحرير ثغر بنزرت التونسي عام 1961:

قرن وثلث قرن من الجهاد والتضحيات والمعارك والملاحم تعاقبت فيها أحداث جسام وبطولات مجيدة لتحرير الشمال الإفريقي من الاستعمار وتحقيق بناء الدول المستقلة الحديثة وتحرير الإنسان بتحويله من رعية إلى مواطن، وبتحويله من مشاريع التنصير إلى مشاريع التأصيل ومن مؤامرات الإدماج والذوبان إلى فضاء حقوق الإنسان.

وتعود للذاكرة الأمينة بطولة القائد الشاعر فارس السيف والقلم الأمير عبد القادر الجزائري الذي قاوم جيوش الإمبراطورية الفرنسية وحافظ على عروبة الجزائر والمغرب العربي وإسلامها من مخاطر المحق والإبادة.

وكان ذلك البطل المجاهد كما شهد كاتب سيرته المؤرخ البريطاني تشرشل يصر على استعمال سيفه القادم من تونس وركوب فرسه القادمة من المغرب كرمز لكفاح البطل من أجل الشمال الإفريقي كله .

وكذلك استشهاد عمر المختار وفرحات حشاد وديدوش مراد وتضحيات أجيال من أبناء هذا الشمال المناضل الباسل، ثم نرى اليوم حالة العطل والجمود التي أصابت البناء المغاربي بسبب استمرار قضية الصحراء منذ عام 1974 بلا أفق حل وحالة عدم الثقة التي أصابت المؤسسات الرسمية فلم يجتمع قادة الاتحاد المغاربي في قمة منذ تأسيس هذا الاتحاد في عام 1989 أي منذ سبعة عشر عاما.

مما فتح الأبواب أمام المناورات الدولية ولعبة إنشاء مناطق النفوذ ومحاولة تقاسم الأدوار في إقليم عربي ظل إلى اليوم من حسن حظه بعيدا عن الهزات الكبرى التي أتت على أقاليم أخرى.

وبلغ أمر التعطل المغاربي وضعا غريبا إلى درجة أن الشريكين الأوروبي والأميركي أصبحا يسعيان إلى تشكيل مجرد التنسيق المغاربي حتى يسهل التعامل الدولي مع هذه البلدان لأن كل ما فيها يجمع بينها من تاريخ وجغرافيا ولغة ودين واقتصاد ومجتمع متجانس .

وإنتاج زراعي وصناعي وتطلعات مستقبلية ولم يعد الأوروبيون ولا الأميركان يفهمون سر شتاتنا، فواشنطن جمعت بمبادرة خاصة وزراء التجارة ومحافظي المصارف المركزية المغاربية ليدفعوا باتجاه تكامل اقتصادي مغاربي .

كما أشار الزميل رشيد خشانة بصحيفة الحياة يوم 2 مايو الجاري، أما الاتحاد الأوروبي فما زال يدعو دول المغرب العربي إلى التجمع في إطار اتفاقية برشلونة للتحاور مع الشركاء الأوروبيين حول ضرورة التعاون في كل المجالات.

وتذكرنا هذه التحركات الأميركية والأوروبية بما قام به الغرب من سعي للتجميع والتوحيد لدول أوروبا الشرقية بعد انفراط عقد الاتحاد السوفييتي في عام 1989 لأن الدول العظمى .

أو التجمعات السياسية الكبرى تفضل التعامل مع الكتل المتناسقة على التعاطي مع دول قطرية صغيرة لا تمنح فضاء واسعا من التعاون والتبادل التجاري وتواصل المصالح المشتركة.

و لعل الأمر الذي اهتدى إليه مؤسسو هذه الرابطة هو أهمية تضامن المجتمعات المدنية المغاربية بعيدا عن مستحقات الدول ونواميس العلاقات الرسمية وبطء البناء الحكومي.

وبالفعل فإن المنظمات الأهلية وغير الحكومية أكثر مرونة وإقداما وأقدر على ابتكار المستقبل وبناء المصير إذا ما اجتمعت الهمم وتلاقت الذمم وتوحدت الأمم، بل ولعلها تكون رائدة لدفع الدول إلى الحلول الحكيمة والتسريع بالبناء الوحدوي الذي وهب له جيل آبائنا الأرواح.

لكن هذه الرابطة أيضا محفوفة بالمخاطر ذاتها التي عطلت الحكومات، فهي كذلك متكونة من بشر والبشر لديهم اختلافات في الانتماء والطبائع والمستوى والقبول بالآخر المختلف.

والدليل على ما أقول هو أن قلة من المؤسسين تمتعت بحق الفيتو لاستبعاد بعض المؤسسين الذين يختلفون معهم في الرأي، وهذا سلوك غريب في رابطة يؤكد اسمها بأنها ستعمل من أجل الديمقراطية!!.

فالديمقراطية التي اتخذتها الرابطة عنوانا تفرض على المنضوين تحت رايتها قبول الآخر المختلف لا المطالبة بإقصائه حيث إن المنطق السليم يقتضي أن يقصي الرافض للآخر نفسه هو إذا ما رفض التعامل مع المختلف!على كل حال نبقى متفائلين.

وكان الله في عون شباب من المؤسسين أعرف بأنهم غير علمانيين ولا استئصاليين حين يتعاونون في منظمة واحدة مع المتطرفين الستالينيين الذين سيطالبون يوما قريبا بإقصائهم. ونتمنى أن نكون على خطأ ويكون المؤسسون على صواب، حتى تنجح الرابطة وتساهم بقسط في تحقيق شعارها.

كاتب تونسي

alqadidi@hotmail.com