عندما وجدت الثقافة العربية الإسلامية نفسها في موقع المغلوب شحذت كل ما لديها من عناصر المقاومة للتصدي للثقافة الغالبة والمتمثلة في قيم ومفاهيم الحداثة الغربية التي من بينها الديمقراطية.
وفي مواجهة هذه الأخيرة برزت الشورى بعد غيبة طويلة ورغم أنها لم تكن سوى فكرة وبعض التجارب الفقيرة، إلا أنها بسطت مظلة من الشرعية فوق أرضية الاختلاف بين الذين يريدون ويرون ضرورة الأخذ ببعض مفاهيم ومؤسسات الحداثة الغربية في المجال السياسي وبين الذين يرفضون الأخذ بهذه المفاهيم ويتبنون الشورى بنفس الفهم الذي كان يتبناها به الأولون.
ولذا حاول الاصطلاحيون ان يضعوا الشورى في مقابل الديمقراطية الغربية بل ينسبون هذه الأخيرة إلى الإسلام لأن ذلك في الحقيقة يستجيب إلى مسألتين ضروريتين لفكرة انبعاث الأمة.
الأولى هي التأكيد على هوية الأمة وخلود قيمها السرمدية الصالحة لكل زمان ومكان.
الثانية التأكيد أيضاً على أسبقية الإسلام على الحداثة الغربية في إرساء مبادئ الحكم العادل المستند على سلطة الجماعة، فالديمقراطية ليست فكرة جديدة أتى إلينا بها الغرب فهي ليست إلا شورتنا التي غيبتها عصور الاستبداد منذ نهاية عهد الخلفاء الراشدين.
ان هذا الموقف الذي يعنى ان العرب ليسوا مقلدين ولا عالة على غيرهم، يعد في حد ذاته رد فعل ضد هذا الآخر والمنافس التقليدي الذي اكتشفوا فجأة انه قوى ومتفوق عليهم ولهذا فإن تصوير نجاحه .
وتفوقه على انه ثمار ما اقتبسه منهم، يعد رد اعتبار للكرامة الجريحة من ناحية ويعطي من ناحية أخرى ودون حرج الحق في الاستفادة مما حققه طالما أنها بضاعتنا ردت إلينا في ثوب جديد بعد ان فرطنا فيها نحن الذين سبقناهم في كل شيء.
كيف ما كان الخلاف بين الديمقراطية والشورى فإن كثيراً من الأنظمة العربية التي أخذت بمفهوم الشورى في مقابل الديمقراطية تبنته على أساس انه عبارة عن مؤسسة شكلية لا تحد من السلطة المطلقة للحكم التيوقراطي الذي يرفض إقامة مؤسسات فعلية تمارس اختصاصات حقيقية.
وتطمح إلى مشاركة الحاكم في قراراته كما ان تبنى الشورى يمكن السلطة من المزايدة على تيار الأصالة ولاسيما جناحه المتشدد فالأخذ بنظام الشورى يستجيب من ناحية لمقولة الأصالة وعدم تقليد الغرب كما انه يعتبر خطوة على طريق التحديث في مواجهة تيار الحداثة والديمقراطية.
أما الأنظمة التي استخدمت صراحة مصطلح الديمقراطية في أدبياتها السياسية فإنها تعاملت معه بشكل انتقائي وفسرته على انه تكافؤ في الفرص الاجتماعية والاقتصادية ورفضت الديمقراطية السياسية في مفهومها الليبرالي واعتبرت التعددية وحرية التعبير مظهرا زائفا لأنها لا تتواءم مع ضرورة تحقيق أطروحات تحقيق التقدم والتنمية والعدالة الاجتماعية أو تحرير الأرض وتحقيق الوحدة العربية.
لقد أثبتت التجارب العملية بأن أياً من المفهومين - الشورى والديمقراطية - لم يجر تطبيقهما فعليا فالشورى لم تكن سوى مجموعة من الأفراد يزينون مجالس كثير الحكام كما ان إدخال بعض المؤسسات الديمقراطية الشكلية في بعض الأقطار لم يمس السلطة المطلقة للحاكم الفرد الجالس على قمة الهرم السياسي.
والذي لا يطأ حرمته النقد والمعارضة رغم زوال الأسباب التي كانت في الماضي تبرر وتعطي الشرعية لتسلط الحاكم الفرد ، فالأمة مفتتة إلى مستعمرات ومحميات يضطلع بالدفاع عنها مستعمروها في مواجهة الطامعين فيها من أمثالهم كما ان سطوة أعدائها تكرست كأحد قوانين الكون.
لقد مر أكثر من قرنين من الزمن على أول لقاء بين الحداثة الغربية والشورى دون ان تحسم أية إشكالية من الإشكاليات التي أثارها هذا اللقاء.
ويمكن لنا القول بأن الجدلية التي قامت بين المفهومين كانت جدلية غير مثمرة فلم تستطع حتى الآن مؤسسات الديمقراطية الغربية ان تصبح جزءا من الحياة السياسية العربية كما أن الشورى لم تخرج عن كونها حلية تزين جراب السلطة المعلق على كتف الحاكم الفرد.
كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي