الخبر بحدّ ذاته مفجع. فكيف اذا كان، حسب المعلومات، يفيد بأن الجيشين يتأهبان للتمترس في خندقين متقابلين. والاسوأ بل الأخطر، ان هذا التطور يأتي في سياق ارتفاع وتيرة التأزيم والتوتر بين أكبر قوتين فلسطينيتين.

وكان في الأمر حالة تحضير واستعداد لما هو آت. فالأخبار لا توحي بأقل من ذلك. اذا كانت الأمور والعلاقات سائرة في هذا الاتجاه؛ أو انها باتت محكومة لسلوك هذا الطريق؛ فإنها ستكون بلا شك فاجعة الفواجع.

تقول المعلومات المتواترة، والمحجوبة إلى حدّ بعيد بغبار الانشغال بفصول الحصار الجائر المضروب على الشعب الفلسطيني، بأن مناطق من غزّة كانت تقوم عليها مستوطنات إسرائيلية، قد تحولت إلى معسكرات تدريب لقوات عسكرية جديدة؛ تتبع حركتي «فتح» و«حماس».

مصادر الأولى تقول انها شرعت ـ وبصورة مكشوفة أمام وسائل الإعلام. في تشكيل قوة مسلحة من ثلاثة آلاف مقاتل؛ تسمّى بقوة «حماية المشروع الوطني وكوادر الحركة»! وعلى مسافة قريبة من هذا المخيم تقيم «حماس» مخيمها لتدريب قوة أمنية من حوالي ثلاثة آلاف رجل؛ مهمتها «إسناد» جهاز الشرطة.

وكانت وزارة الداخلية قد قررت إنشاء هذه القوة لمساندة رجال الأمن الداخلي، الذي يشكو جهازهم من «الضعف» وعدم القدرة على النهوض بمهماته. على الأثر سارع الرئيس محمود عباس واصدر امراً بنقض هذا القرار، باعتبار انه غير قانوني. لكن الذي حصل ان الداخلية واصلت العمل بخطتها. ردت «فتح» بالمثل.

وتشير التقارير إلى ان قطاع غزة سيشهد مؤخراً عملية تجنيد واسعة؛ بالإضافة إلى موجة شراء وتكديس المزيد من الأسلحة والذخيرة؛ مع عمليات التأهيل على استخدامها.

ووصلت المزاحمة إلى حدّ المزايدة والمنافسة في الأسعار للحصول على صفقات «بمئات آلاف الدولارات، من الأسلحة الخفيفة»؛ التي تستخدم في قتال الشوارع. ويدور الحديث عن تمرير آلاف الرشاشات إلى القطاع. ويجري هذا التسابق في ظل اجواء مشحونة بالتوتر والشكوك المتبادلة؛ يؤججها حقن متصاعد، في سياق خطاب يعتمد لغة التخوين والتآمر..

ويأتي ذلك، كما هو معروف على خلفية تأزيم مازال يتفاعل منذ الانتخابات النيابية في مطلع العام وما تمخضت عنه من تغيير في الموازين والمواقع. وهي خلفية تفرض عدم استبعاد الربط لاسيما وان هناك حديثا شائعا في غزة وفق ما يتردد، بأن بناء هذه القوات المتقابلة يأتي ضمن استعداد لحشد القوات تحسباً من تدهور الأمور ووصولها حدّ المواجهة!

الوضع الفلسطيني تحمّل وعانى، من عدوان الاحتلال الإسرائيلي، ما يتعذر وصفه. بإمكاناته المتواضعة، نسبياً، بقي صامداً وعصياً على الشطب عامل القوة الأساسي في مسيرته كان ومازال احترام قوى الساحة للخطوط الحمراء وتهيبها بالرغم من خلافاتها، اقتحام هذه الخطوط والغرق في مستنقع الاقتتال الأهلي.

اللحظة الراهنة تضعه أمام الامتحان الفاصل: الجوقة الأميركية الإسرائيلية الأوروبية أطبقت عليه بحصار يكفل منع وصول لقمة العيش وحبة الدواء.

وهي تعرف مدى الاحتقان السياسي الداخلي الذي تعيشه هذه الساحة. مراهنتها، على ما يبدو، هي أن يؤدي ضغط الحصار من الخارج مع ضغط الاحتقان من الداخل إلى دفع الأمور نحو الانفجار.

ووجود جيشين على طرفي الاحتقان يزيد من احتمالات كسب الرهان هذا. ويكون من الانتحار الطوعي ان تكون الجيوش الفلسطينية بالمرصاد لبعضها البعض وهي تحت السكين الاسرائيلي، والحصار الخارجي القاتل.