قبل أيام قليلة، وبالتحديد في السابع والعشرين من ابريل الماضي، نشر الكاتب البريطاني الشهير روبرت فيسك، مقالا طويلا اسماه «الولايات المتحدة الإسرائيلية»، وأرفق معه صورة علم كبير للولايات المتحدة لكن بدلا من نجومه البيضاء الخمسين كانت هناك خمسين نجمة داوود.
المقال تناول الآثار التي ترتبت على الورقة البحثية التي كتبها الباحثان ستيفن والت البروفيسور في جامعة هارفارد، وجون مورشايمر الباحث في جامعة شيكاغو، حول تأثير اللوبي الإسرائيلي على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وحاول فيسك عبر هذا المقال التدليل على قوة ومتانة العلاقة التي تربط بين البلدين، إلى الدرجة التي تجعل أي شخص ينتقد تصرفات إسرائيل، أو يناقش بشكل جدي تلك العلاقة، عرضة للقذف به في قائمة المعادين للسامية.
والواقع أن من ينظر ويراقب الآن السياسة الأميركية ،تجاه ملف الصراع العربي الإسرائيلي، وبالأخص حيال حكومة حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، يدرك على الفور ان واشنطن تبدو كمن يخوض حربا بالوكالة أو بالنيابة عن إسرائيل، تجاه هذه الحركة الفلسطينية التي تسلمت مقاليد السلطة والحكم بشكل ديمقراطي نزيه، لم تشهد المنطقة العربية مثيلا له في السابق.
هذا الأمر ليس تجنيا على الولايات المتحدة، بل هو توصيف دقيق لما يحدث الآن من حصار وضغوط وتصلب في المواقف، تجاه خيار ديمقراطي لشعب، أراد من خلاله ان يعبر عن نفسه بعيدا عن وصاية الآخرين، وان ينهي سنوات طويلة من فساد الإدارة وضياع الإرادة التي راكمت خيبات كثيرة على قضيته.
ولعلنا هنا نعرض نماذج محددة، توضح أن واشنطن بالفعل تخوض حربا بالوكالة عن إسرائيل، التي لا يهددها احد بالمطلق، بل هي التي تهدد منطقة الشرق الأوسط بأكملها، نظرا لاحتلالها الأراضي العربية وامتلاكها للسلاح النووي.
من هذه النماذج تصريح الرئيس الأميركي جورج بوش أمام اللجنة الأميركية اليهودية بان الولايات المتحدة لن تخل بالتزامها بالمحافظة على أمن إسرائيل، وان هذا الالتزام قوي وثابت ولا يتزعزع، كما أن بلاده لن تجري اتصالات مع «حماس» حتى تعترف بإسرائيل وتتخلى عن السلاح.
كذلك رفض الولايات المتحدة اقتراحا تقدمت به المفوضية الأوروبية بتحويل مساعدات مالية من الدول المانحة إلى السلطة الفلسطينية لتمويل مجالات حيوية مثل الصحة والتعليم ،غايتها منع حدوث أزمة إنسانية في الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي قد يؤدي إلى الدفع باتجاه عصيان مدني ضد «حماس» ما يترتب عليه إسقاطها.
نموذج ثالث هو ممارسة واشنطن ضغوطا رهيبة على البنوك الإقليمية والمحلية، ما أدى إلى إحباط خطة كانت تدعمها «حماس» كي تقوم الجامعة العربية بإيداع أموال المانحين بشكل مباشر في حسابات الموظفين الحكوميين، وهو ما اعترف به شخصيا الأمين العام للجامعة عمرو موسى.
والواقع أن هذه الضغوط تأتى بالتزامن مع تردي الأوضاع الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، إلى درجة أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» حذرت من أن عشرات آلاف اللاجئين بدأوا يتوجهون بأعداد غير مسبوقة، إلى مراكز وكالة الغوث في غزة طلبا للمواد الغذائية .
والمساعدات المالية، نتيجة عدم تسلمهم رواتبهم لأكثر من شهرين ، في الوقت الذي تعاني فيه مخازن الأونروا ومراكزها من ضغوط هائلة من طالبي المساعدة.
مؤكدة انها حذرت قبل أسبوعين من أن أزمة إنسانية في طريقها للحدوث في غزة، أما الآن فانها تؤكد بان الأزمة تطرق الأبواب بشدة، حيث تظهر تجلياتها في النقص الحاد في المواد الطبية في المستشفيات العامة في غزة.
من هذه الوقائع جميعا، يصبح السؤال المنطقي هو: لمصلحة من كل هذه الضغوطات الأميركية على الفلسطينيين؟ بالتأكيد ليس هناك سوى جهة وحيدة هي التي ستستفيد من كل هذا الحصار.
ونعنى هنا إسرائيل، التي تريد أن تنهى القضية الفلسطينية من جذورها ، وان ترغم العالم على تصديق خديعة عدم وجود شريك فلسطيني من اجل تمرير خطتها الأحادية التي تلتهم مساحات كبيرة من الضفة الغربية وتترك القدس المحتلة تحت رحمتها وتجعل قضية اللاجئين معلقة بلا حل.
أما أميركا نفسها فلن تستفيد من وراء كل ذلك، سوى زيادة إعداد من يكرهون سياستها، وتشويه صورتها ليس في هذه المنطقة فحسب، بل في العالم اجمع على اعتبار انها الدولة التي تمارس حربا بالوكالة ضد الخيارات الديمقراطية للشعوب، رغم انها لا تتوانى ليلا نهارا عن مطالبة الدول باعتماد الخيار الديمقراطي.
ومن ثم فإنها ستحتاج وقتا طويلا لتثبت لدول العالم اجمع، انها الولايات المتحدة الأميركية، وليست الولايات المتحدة الإسرائيلية كما وصفها روبرت فيسك.