علينا أن نكف عن التعامل مع العنف الطائفي في ديار العرب باختزاله إما إلى شواهد مؤسفة على تآكل ثقافة التسامح بين الأغلبيات والأقليات العربية تستدعي الكمد الشديد أو إلى ظواهر استثنائية مآلها إلى زوال إن أحسنت الدولة وقوى المجتمع التعامل معها.

لن يجدي مجرد المطالبة برفع المظالم المتعلقة بالحقوق الدينية والمدنية والسياسية للأقليات أو الدعوة إلى الشروع في حوار مجتمعي موسع حول قيم المواطنة والعيش المشترك، على الرغم من أهمية هذا وذاك في تخطي محدودية المنطق الأمني التجريمي. فمسببات وتداعيات أحداث من شاكلة مواجهات الإسكندرية المصرية في الشهر المنصرم أعقد وأخطر من ذلك بكثير.

وقناعتي أن نقطة البدء إنما تتمثل في إدراك محورية عاملين رئيسيين لفهم بزوغ الولاءات الدينية والعرقية وانفجاراتها الطائفية المتتالية في عدد من المجتمعات العربية شديدة الاختلاف فيما بينها مثل الجزائر ومصر والعراق وغيرها.

يرتبط العامل الأول بجوهر علاقة السلطة الحاكمة بمواطنيها. قضت معظم النظم العربية منذ خمسينات القرن الماضي، مع تفاوت درجات قمعها، على دور واستقلالية المؤسسات السياسية والمدنية غير الحكومية.

فقدت الأحزاب والحركات السياسية دورها كأدوات للتعبير المنظم عن قناعات ومصالح جماعات المواطنين وكإطارات لبلورة هويات حديثة تنتظم في فضاء رابطة المواطنة دون أن تنفيها.

تلاشت أيضاً، إن في ظل الإلغاء أو السيطرة السلطوية، وظيفة التنظيمات المدنية من نقابات عمالية واتحادات اقتصادية- تجارية ومنتديات فكرية في تمكين المواطنين من تخطي حواجز الولاءات الأولية العازلة بينهم وترسيخ المضامين القيمية والعملية لرابطة المواطنة في خبرتهم الحياتية.

الحال إذن أن كثيراً من النظم العربية أعادت هيكلة بنى مجتمعاتها مبلورةً لما يمكن تسميته نموذج المجتمع الشفاف، ليس استناداً إلى نقائه أو ديمقراطيته، وإنما تأسيساً على اختفاء المساحة السياسية والمدنية الوسيطة الفاصلة بين النظام والمواطنين.

لم تترك هذه السلطوية العربية لمواطنيها سوى دوائر الولاءات الأولية، دينية وعرقية وغيرها، للاحتماء بها كملاذ أخير فتعلقوا بها وأعلوا تدريجياً من شأنها في مقابل رابطة مواطنة اختصرتها في سيطرة وقمع وإرهاب.

أما العامل الثاني في تفسير الانفجارات الطائفية في معظم ديار العرب فيتعلق بعملية الحراك السياسي الراهنة التي تمر بها بعض النظم العربية. انتهت قبضة النظام السلطوي في العراق وتراجعت نسبياً في حالات أخرى مثل الجزائر ومصر تاركةً وراءها مساحات غير مسبوقة لتدافع فعاليات المجتمع المختلفة.

إلا أن حقيقة اختفاء التنظيمات السياسية والمدنية أو ضعفها البين مكن الولاءات الأولية من غزو بل والاستئثار بمساحات الحرية الجديدة سريعاً. ففي حين يهيمن على العراق اليوم قوى دينية وعرقية في المقام الأول، يصعد بثبات نجم التنظيمات القبلية في الجزائر والحركات الإسلامية المصرية وغيرها في دول عربية أخرى لتصبح بمثابة البدائل الفعلية الوحيدة للنظم الحاكمة.

لا ترتكز شعبية مثل هذه القوى بالأساس إلى برامجها السياسية أو رؤاها حول إدارة شؤون مجتمعاتها، إنما تعود في المقام الأول إلى رأسمالها الاجتماعي المتمثل في ثقة المواطنين بقدرتها على حمايتهم إزاء قمع النظم وتقديم الخدمات لهم.

من جهة يترجم مثل هذا الرأسمال الاجتماعي في لحظات الحراك ثقلاً سياسياً واضحاً ويستحيل آليةً محورية للمشاركة في الشأن العام، ويرغم من جهة أخرى من أقصي من جماعات وأفراد اعتماد ذات المنحى للحصول على درجة من التمثيل المجتمعي الفعال.

بعبارة بديلة، يصير من الطبيعي والمشروع أن يلجأ العديد من الأقباط المصريين وبعض الاقليات الأخرى في بعض الدول، وبغض النظر عن تحيزات وسياسات النظم الحاكمة هنا وهناك، إلى مؤسساتهم الدينية أو تنظيماتهم العرقية كمداخل لتأطير حركتهم في المجال العام والدفاع عن مصالحهم.

وواقع الأمر أن هذه التطورات تعمق من الانفصال الحياتي بين أبناء المجتمع الواحد على أساس الانتماء الديني أو العرقي أو كلاهما معاً وتفرغ في التحليل الأخير رابطة المواطنة من المضمون. ليس من الغريب إذن أن تستدعى المشاعر الطائفية وآليات الفعل الإقصائي في لحظات الأزمة مثلما حدث في الإسكندرية مؤخراً .

وأن ترتب انفجارات طائفية قبيحة يقابلها عموم المجتمع المعني بادعاء الصدمة والخوف على الوحدة الوطنية. فلحظة الأزمة هي بحكم التعريف لحظة كاشفة والطائفية أضحت بلا ريب واحدة من المكونات الرئيسية المشكلة للحقيقة المجتمعية في العديد من الحالات العربية.

إذا ما اعترفنا بأن الطائفية ليست ظاهرة استثنائية وأن صعود الولاءات الأولية لن ينحسر سريعاً، يصبح لزاماً علينا البحث عن مداخل واقعية تمكن على المدى القصير من استنقاذ ما تبقى من رابطة المواطنة وعلى المدى الطويل من إعادة تأسيس فضائها الجامع على نحو ينأى بالمجتمعات العربية عن مخاطر التفتت والانفصال. تتمثل القضية المفصلية هنا.

وعلى خلاف رؤى وطروحات السواد الأعظم من دعاة الديمقراطية بين ظهرانينا، في حتمية التعايش مع الطائفية وشرعنة وجودها الاجتماعي والسياسي ومحاولة ترشيد تداعياتها على المجتمع المعني باكتشاف مساحات المشترك الفعلية بين مواطنيه، أو بالأحرى بين طوائفه وأعراقه المتنوعة، وتثبيتها تدريجياً في مؤسسات وممارسات عامة.

فالقناعة الشائعة بين الديمقراطيين العرب بأن رفع المظالم عن جماعات بعينها من المواطنين وتطوير آليات الحوار بين الأغلبيات والأقليات في سياق عملية تحول ديمقراطي شاملة تطول مجمل المنظومة السلطوية الحاكمة كفيل بالقضاء السريع والمبرم على الطائفية يجافي الحقيقة.

ليس فقط لأن الولاءات الأولية تمكنت من بنى المجتمع كما أشرنا أعلاه، بل لأن عملية التحول الديمقراطي إنما تعبر في أحد مضامينها الجوهرية عن النزوع نحو تمكين قوى وفعاليات المجتمع المختلفة من المشاركة في الشأن العام بحصص وأشكال تتسق مع أوزانها النسبية.

من غير المقبول إذن باسم الديمقراطية وبحجة الحفاظ على النسيج الوطني ولحمته المصيرية منع تكوين الأحزاب أو التنظيمات الدينية والعرقية عندما تكون الأخيرة هي القوى الأكثر أهمية مجتمعياً.

قلب هذا التوجه رأساً على عقب بما يتضمنه من الإقرار بصيرورة تحولات مجتمعاتنا العربية وإخراج هيمنة ولاءاتها الأولية إلى السطح السياسي والسماح لها بالتواجد الشرعي ربما مثل مناط الأمل الوحيد لترشيد انفجارات طائفية هي بالتأكيد مرشحة للتكرار والعصف بالاستقرار إن لم تعالج جذرياً.

أما الاستمرار في إنتاج البكائيات الصحفية المتحسرة على تصدع الوحدة الوطنية وما آلت إليه ثقافة مجتمعاتنا العربية من انحطاط وتعصب بعد ماض راق متسامح أو الارتكان إلى خداعية احتفاليات الحوار الرسمية وغير الرسمية فلن ينفع بمثقال ذرة.

كاتب مصري