عدت إلى الكويت بعد غياب قصير، ولم أتصور حجم المساحة التي تعطيها الصحافة الكويتية لموضوع الدوائر، ولم أتصور أيضاً الاهتمام الشعبي في هذا الموضوع الذي كان محصوراً في البداية في متابعة برلمانية وحكومية، لكن الوضع تبدل بعد الاتساع في المقترحات، والتباين في المواقف.

والشدة في طرح الاجتهادات، ولا يثير ذلك الاهتمام الاستغراب لأن الدوائر هي الوسيلة الوحيدة الممكنة لمعالجة الوضع السياسي الكويتي، فلا مجال في هذه الظروف لإظهار أية محاولة للتبديل والتغيير في بنود الدستور، لأن ذلك سيفتح أبواب التباين والاختلاف على مصراعيها، ومن الحكمة إذن التعامل مع وظائف الانتخابات وقنوات الاختيار المتمثلة في توزيع الدوائر.

جاءت مقترحات تبديل خريطة الدوائر الحالية بعد أن شعر الجميع، الحكومة والناس والمؤسسات بأن الوضع لا يمكن أن يستمر على المنوال القديم، الذي أفرز عيوباً كبيرة أبرزها التطاول على القانون، والعبث باللوائح والاستخفاف بالانضباط واختراق النظام العام للدولة.

والتجاوز على هيبة الدولة، وتفشي الفساد وآفة الوساطة التي مست أحكام القضاء، كما قرأنا في صحيفة الوطن في عددها الصادر يوم الخميس الرابع من مايو حول تنفيذ أحكام الإعدام والسعي لوقف التنفيذ.

لذلك كانت المتابعة الشعبية لموضوع الدوائر لها كل المبررات، فالمتابعة اهتمام معبر عن رفض التمادي في الأسلوب القديم ومعبر عن الشعور بمضار التسيب وضرورة معالجة الخريطة الانتخابية التي أدخلت الكويت في هذا الوضع المزري.

ونود إبداء بعض التعليقات حول الموضوع الحيوي:

أولاً: نعترف بأن تجربة الكويت السياسية مازالت حديثة وطرية لابد من مراعاة ظروفها ومعالجة عيوبها وتشخيص مشاكلها وهي مسؤولية جماعية تحملها النظام والمؤسسات والرأي العام.

وإذا برزت اجتهادات متباينة فإننا نتوقع حدوثها، فلا مبرر للامتعاض بما في ذلك كثرة الاجتهادات داخل مجلس الوزراء، وبما فيها المساعي التي تقوم بها التجمعات السياسية سواء الكتلة الشعبية أو الحركة الدستورية، أو المستقلين.

ونعترف أيضاً بأن هناك من سيعاني الخسارة إذا ما تم تبديل خريطة الانتخابات، هذه هي قاعدة التغيير الذي يأتي بتبدلات، قد لا تسر البعض، ولكن المهم هو العمل على تحقيق أكبر قدر من الفوائد، وإبعاد أكثر حجم من الضرر.

وأقدر شخصياً شعور الذين سيعانون من خسارة الامتيازات وغياب المكانة وانحسار الاعتبار السياسي، ومن المؤكد بأن الذين يسعون الآن للحفاظ على الوضع الراهن يتحركون بهذا الشعور وفق حساباتهم.

وهذا من حقهم، ونلاحظ بأن الرئيس جاسم الخرافي يدعو إلى احترام جميع وجهات النظر، فالمؤسسة الديمقراطية لا تستنكف وجود اختلاف، بينما تريد كتلة الشعبي الالتزام بتوصية اللجنة الوزارية بتبني الخمس، ويطالب آخرون بعشر دوائر بينما يحتج البعض مطالبين بالعدالة في التوزيع.

ثانياً: يتحدث البعض في تسفيههم للتوزيع الانتخابي الحالي عن ازدهار عصر الستينات عندما كانت الكويت رائدة وقائدة في فصل منفتح فيه سيادة القانون والاستنارة والتنوع، والمقارنة مع الوضع الراهن غير منصفة فقد اتسعت الكويت بسكانها.

وتنوعت في مذاهبهم ومشاربهم وانتماءاتهم، الأمر الذي أثر في الموازين القديمة، وأهمها السطوة الاعتبارية والمعنوية لأهل النظام، وخسارة المقام لأصحاب الرفعة السياسية، هذا زمن تبدلت فيه المفاهيم، واتسعت فيه الحزبية القبلية والحزبية الطائفية.

وأورام السياسة، فلم تعد الساحة السياسية الكويتية مرحبة بما يسمى النخب السياسية التقليدية التي كانت مرافقة منذ القدم في مسيرة المشورة والنصح للنظام، وكانت أيضاً حريصة على الروح الديمقراطية أكثر من التصلب في التفسيرات الضيقة للقيود الدستورية.

نرى ذلك في كتاب الاستقالة الذي قدمه المرحوم عبدالعزيز الصقر إلى المجلس متخلياً عن الرئاسة في أعقاب أزمة ديسمبر 1964، حيث يقول: «لقد تعذر عليَّ وجود وسيلة لعودة الأمور إلى مجراها الدستوري الصحيح.

ولتجنيب الكويت عواقب هذه الضجة المفتعلة، بل جرت الأمور على عكس المنطق الدستوري والروح الديمقراطية، وجاءت على هوى الانحراف في تفسير الدستور، وإزاء هذا كله استحال عليَّ الاستمرار في القيام بواجبي كرئيس للمجلس في هذا الجو المشحون بالمخالفات دون توق للعواقب».

ويأتي في كتاب الاستقالة الذي رفعه المرحوم الشيخ صباح السالم، رئيس مجلس الوزراء، إلى سمو الشيخ عبدالله السالم، خلال الأزمة الوزارية في ديسمبر 1964، كمؤشر على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً:

«وخلال كل ذلك ـ يقصد تعطيل أداء اليمين من قبل الأغلبية في المجلس ـ بدأت الإشاعات تتداول في البلاد حول أسباب هذا الموقف، وحول مخالفات دستورية قيل انها شابت تشكيل الوزارة الجديدة، ولقد تحلت الوزارة إزاء هذه الإشاعات بالصبر والأناة، وبأمل أن تهدأ النفوس وتنقشع هذه الغمة التي كادت أن تخفي وجه الحقيقة عن الناس، وليس ثمة أية مخالفة دستورية من أي نوع».

ولا شك بأن تلك الحادثة التي وقعت في ديسمبر 1964، والتي تم فيها الاختراق الكامل للأعراف والتقاليد وامتهنت فيها السطوة المعنوية للحكم تشكل البداية المؤلمة التي أدخلت الكويت في عصر المخالفات والاستفاضة في تفسير الدستور وبنوده، وبما يلائم المصالح العابرة للمجموعات كانت تلك الحادثة التجاوز الأكبر لنهج التوافق والانسجام.

ويضيف المرحوم عبدالعزيز الصقر في كتاب استقالته ـ وكأنه يؤشر إلى ظروف اليوم ـ عندما ينتقد الإصرار على الخطأ دون النظر إلى الأضرار التي يلحقها التعنت بتجربتنا الديمقراطية الرائدة، ولا إلى الأضرار المادية والأدبية التي تلحق بالدولة بتعطيل جوهر العمل للمجلس النيابي الناطق باسم الأمة والمعبر عن رقابتها للشؤون العامة.

ثالثاً: هناك إجماع على الخروج من حالة التردي التي تعيشها الكويت في تجاوز القانون، وهناك أجواء تسمح بالمعالجة المقبولة في رسم جديد لخريطة الدوائر، وهناك عزم قيادي وحكومي على تجاوز الوضع الانتخابي الحالي، كل ذلك يوفر الفرصة التاريخية لإعادة هيبة الدولة وهيبة الحكم واستعادة السطوة الاعتبارية للانضباط وقواعد السلوك السياسي والاجتماعي.

مشكلة الكويت في حياتها السياسية الحالية أن قواعد السلوك التي بدأها العهد النيابي في بداية الستينات تآكلت منذ أزمة 1964 وترسخت بالتكاثف مع مرور الزمن.يمكن لجهود اليوم أن تعيد البيئة السياسية لحياة الكويت الأولى.