قد لا يكون العنوان ملفتا بدرجة كافية للقارئ بعد ان قرأنا أخيرا وبشكل مكثف عن العنف الذي شهدته بعض مدارس الدولة، سواء كان هذا العنف بين الطلبة أنفسهم أو بينهم وبين الهيئة الإدارية والتدريسية.
لكن الملاحظة التي وصلتنا من إحدى الأمهات استدعت فتح القضية من جديد، ليس من اجل إثارة قلق أولياء الأمور على أبنائهم، ولكن من أجل لفت انتباههم إلى أمور قد تحصل لأبنائهم.
«راشد» طالب متفوق في الصف السادس، عاد من المدرسة في احد الأيام وقد ظهرت أسفل عينه علامة داكنة توقعت والدته من النظرة الأولى أنها آثار لكمة قوية. لكن إصرار ابنها على أن ذلك ناتج عن سقوطه من سلم المدرسة طمأنها. مرت الأيام ولاحظت الأم تغير سلوك ابنها وكرهه للمدرسة.
واستغربت حالة الاكتئاب التي لم تفارقه خاصة وقد أثنته عن الخروج من المنزل للعب في الحي الذي كان يحب اللعب فيه مع أقرانه. وفي الأسبوع الماضي فوجئ أخوه الأكبر وهو خارج من المدرسة بمجموعة صبية متكالبين على طفل يشبعونه ضربا. اقترب قليلا ليفاجأ بان المضروب هو أخوه «راشد».
تبدو فصول الحادثة إلى هنا عادية، وربما تتكرر يوميا في معظم مدارسنا وربما يحدث فيها ما هو أعظم من ذلك. مجموعة أخرى من طلاب الصف شهدت على أن الطلبة يضربون راشد يوميا، وراشد يكتفي بالبكاء والهروب من الحصص.
والأكثر انه بعد المشادة الكلامية التي وقعت بين اخيه الأكبر وبين من ضربوه، فوجئت الأسرة في اليوم نفسه والذي يليه بزجاج أبواب المنزل مهشما، فحامت الشكوك حول المشاغبين الذين يسكنون قريبا منهم!
تصوروا مشاجرات يومية وضرب مبرّح وتغيب عن الحصص وتراجع في مستوى الطالب وإدارة المدرسة لا تشعر بشيء قبل أن يصلها الخبر عن طريق والدي الطالب.
وتصوروا لو كان الصمت هو سلاح أبنائنا الوحيد تجاه العنف الذي يمارس ضدهم فما الذي نتوقع حدوثه خلف جدران مدارس لا يفطن العاملون فيها إلى ممارسات من هذا النوع، وتصوروا جرأة الطلاب فيما لو سلمنا انهم من أقدم على تهميش زجاج أبواب المنزل.
ولنتصور جميعا الأسباب التي تدفع بطلاب في المرحلة الإعدادية لضرب طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره بشكل متكرر، والأسباب التي دفعته للصمت وإخفاء الأمر عن أهله رغم عدم رضاه عما يحدث!
ربما لم يعبر راشد بصورة كافية عن مشاعر الغضب التي يحملها في قلبه نحو مجتمع المدرسة الذي كرهه، وربما تظهر آثار هذا العنف مستقبلاً عليه فيما لو استمرت بشكل يفقده الثقة في نفسه وفي مجتمعه.
وما نريد التنبيه عليه هو انه لا ينبغي أن ينتظر أولياء الأمور أو العاملون في المدارس آثاراً جسدية تكون دليلاً على تعذيب وممارسات عنف ضد أبنائنا، ولا ننتظر كاميرات تصور تلك المشاهد، لكننا ننتظر أفرادا يتحملون مسؤولية هؤلاء الأبناء الذين بعثوا إلى المدارس ليتلقوا تعليمهم وليس ليضربوا ويخرجوا بعاهات نفسية وجسدية.
قصة راشد وان كانت متكررة إلا اننا وجدناها فرصة نجدد من خلالها الدعوة لأولياء الأمور وللمسؤولين، والتربويين، لان يقضوا على العنف من منبته، فربما بدأ العنف اليوم بلكمة عابرة لينتهي غدا بطعنة أو ضربة قاتلة.
فهل تستمر مشاهد العنف في مدارسنا دون أن نتخذ إجراءات للقضاء عليها ؟ أم أننا سنتحرك كمجتمع يضع حداً لهذه الممارسات التي لا نقبلها ولن نقبلها ولا نريد الاكتفاء بعرض مشاهدها؟