يحمل المشهد الفلسطيني الإسرائيلي أبعاداً خمسة مفتوحة على احتمالات مختلفة مما يزيد من اضطراب المشهد حالياً.
أولاً: اتسام الحكومة الإسرائيلية الجديدة في تركيبتها الائتلافية وقاعدتها العددية الضيقة نسبياً والتي تزيد من مخاطر تعرضها للسقوط عند أول أزمة في داخلها، اتسامها بالهشاشة من حيث التفاهمات القائمة بين أحزابها والتي هي بمثابة قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة عند أول منعطف خطير سواء على الصعيد الوطني الخارجي أو الاقتصادي الاجتماعي الداخلي، قد تطيح بالحكومة وتخلق أزمة سياسية مفتوحة.
عملية الإقلاع الحكومي ليست بالقوة التي أرادها حزب كاديما، حيث هنالك تحفظات حول خطة الانطواء التي يطرحها الحزب، وذلك من مواقع مختلفة وأحياناً متناقضة.
تحفظات ليس من المستحيل بالطبع احتواؤها ولكن ليس من السهل أيضاً التعامل معها والحفاظ على مرونة الحركة لرئيس الوزراء إذ ان هذه التحفظات تضع قيوداً عليه وعلى حزبه.
ثانياً: هنالك إشارات خجولة من طرف حكومة حماس حول احتمال القبول بمبادرة السلام العربية ولن يكون من الصعب إيجاد الإخراج اللغوي لذلك.
إخراج قد يقوم على تعابير غامضة وحاملة للتأويل. فالقبول بمبادرة السلام العربية سيكون الشرط الضروري للتطبيع الرسمي العربي الحماسي.
ولتسهيل الحركة الدبلوماسية العربية في عملية إدخال حماس في نادي الأطراف المقبولة والمعتمدة دولياً في دبلوماسية التسوية، حتى ولو كانت التسوية معلقة أو مغيبة وحتى لو أن الوضع الدولي سيعتبر تلك الخطوة مهمة وضرورية ولكن ستسارع الأطراف الدولية الرئيسية للقول بأن هذه الخطوة غير كافية.
الإخراج قد يمر عن طريق قبول المبادرة من طرف الحكومة باعتبار أنها الفاعل السياسي الرسمي المطلوب منه لا بل المفروض عليه بحكم الموقع التعامل مع تعقيدات الوضع الدولي، وليس من طرف حركة حماس التي تستطيع أن تحافظ على «نقائها» العقائدي السياسي حتى إشعار آخر يرتبط بالتحريك الجدي للمفاوضات.
يسهل هذا القبول الحكومي دون شك أن التداول الديمقراطي للسلطة عبر الانتخابات يقوم في الثقافة السياسية الديمقراطية وفي فهم مسؤولية الدولة على الاستمرارية..
الاستمرارية التي تقوم على احترام الالتزامات الأساسية للدولة، فلا يوجد تفويض تلقائي ومطلق للطرف المنتصر انتخابيا لإحداث انقلاب أو قطيعة مع هذه الالتزامات.
ثالثاً: السياق الراهن للتعامل الدولي مع الوضع الفلسطيني رغم محاولات البعض، خاصة الفرنسي، إيجاد صيغ تقنية لم يقبلها الآخرون للالتفاف حول حالة الحصار التي يجري التشدد فيها وتصعيدها ضد الشعب الفلسطيني عملياً وفعالياً.
ولو أنها تجري تحت عنوان الضغط المباشر على حماس، هذا السياق كما ظهر في شكل خاص في محطته اللندنية الأسبوع الفائت على خلفية زيادة التوترات السياسية والتنظيمية الفلسطينية وازدياد الاحتقان الاجتماعي وتزايد الحوادث الأمنية الداخلية، قد يؤدي ذلك كله إذا لم يجري فك الحصار إلى انهيار فلسطيني مزدوج مجتمعي ومؤسسي أيضاً.
فمحاولات تطويع حماس من خلال التهديد بالمجهول والفوضى قد لا تنجح والانهيار سيطيح بكل قواعد اللعبة القائمة منذ عشية اتفاق أوسلو، اللعبة التي تكرست في أوسلو، وذلك من خلال التغيير الكلي الذي سيصيب الطرف الفلسطيني وهو الطرف الرئيسي الأساسي في هذه اللعبة.
رابعاً: هنالك محاولات عربية، كما دلت بشكل خاص القمة المصرية الأردنية في العقبة، وكذلك بعض الاتصالات العربية الدولية، والعربية الإسرائيلية والمناشدات المتكررة للرئيس الفلسطيني محمود عباس لإحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية باعتبار أن منظمة التحرير الفلسطينية.
هي المرجعية التمثيلية الشرعية الوحيدة للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية هي الطرف القانوني المعني والاثنان يرأسهما عباس ويستطيع التفاوض حسب القانون الأساسي الفلسطيني من حيث امتلاكه للشرعية القانونية لذلك.
وهي شرعية تحظى أيضاً بشرعية شعبية قابلة للتوسع إذا ظهر ضوء في آخر النفق. هنالك دعوة إلى المفاوضات المباشرة لا يبدو أن هنالك أي تجاوب دولي معها حتى الآن، دعوة تقول ان هنالك شريكاً فلسطينياً حاضراً وجاهزاً للتفاوض حسب المرجعيات والآليات التي لا تمل من التذكير بها كلامياً فقط الأطراف الدولية المعنية.
خامساً: لا يبدو من المؤشرات الظاهرة حالياً عشية اجتماع الرباعي، الاجتماع الذي سيعقد في واشنطن وبمشاركة عربية رئيسية وعشية زيارة رئيس وزراء إسرائيل إلى واشنطن ان الرباعي وبالأخص طرفه الأساسي ومحركه .
وواضع أجندته الولايات المتحدة في صدد التجاوب مع المناشدة الفلسطينية والدعوات العربية المتكررة لإحياء المفاوضات برعاية دولية مباشرة تتم في إطار مؤتمر دولي على أساس المرجعيات المعروفة والاتفاقيات الموقعة.
السؤال القائم حالياً ونحن على مفترق الطريق: هل سيستمر التصعيد الحاصل والمتزايد والذي يهدد بإدخال الملف الفلسطيني ومعه الشرق الأوسط في المجهول من خلال استمرار حالة «الطرش» عند الرباعي أمام النداءات المباشرة الفلسطينية والعربية .
ونداءات الواقع المتردي أم سنصل إلى لحظة عودة الوعي عند الرباعي وخاصة عند محركه الأميركي من أجل إعادة إحياء المفاوضات عبر الرعاية والمواكبة الدولية لها. تجارب الماضي لا تشجع في هذا الاتجاه الأخير لكن مأساة الحاضر ومخاوف المستقبل قد تدفع إلى إعادة النظر في هذا الأمر.
كاتب لبناني
