القمة «التشاورية» الثامنة لقادة دول مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت أمس في الرياض، برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة رئيس المجلس الأعلى لمجلس التعاون، كانت فريدة في توقيتها وهمومها.

جدول أعمالها ازدحم، إلى جانب الملفات الخليجية، ببنود وأولويات إقليمية ضاغطة بدرجة غير مسبوقة؛ من حيث دقتها وخطورتها. التطورات في المنطقة مندفعة، في أكثر من ساحة، بوتيرة وبوجهة تدعو إلى القلق.

ومنسوب التوتر والاحتقان فيها، يقترب من الخطوط الحمراء. الأمن الإقليمي والخليجي يدنو من دائرة التهديد. رفوف بوم وغربان الحروب، تحوم مرة أخرى في الأفق القريب.

ومن هنا كانت دعوة «التشاورية» إلى تغليب خيار الحوار ومعالجة النزاعات المحتدمة في المنطقة، ضمن الآليات السلمية المتاحة؛ إبعاداً للمواجهات العسكرية وتوفيراً لمناخات التعاون والتنمية التي تحتاجها شعوب المنطقة.

أجندة «التشاورية» كانت حاشدة بالبنود الخليجية؛ من ضرورة تعميق التعاون المشترك بين دول المجلس وتعزيزه في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، إلى المشاغل الأمنية ومكافحة الإرهاب؛ وانتهاء بقضايا التكامل والربط وغيرها.

وهي شؤون طالما كانت موضع اهتمام القيادات الخليجية؛ من ضمن إطار العمل على تطوير وتعزيز مسيرة وتجربة مجلس التعاون الخليجي. بيد أن التطورات حول منطقة الخليج فرضت نفسها على القمة، وكان ذلك أمراً طبيعياً في ضوء مناخات التصعيد وسيادة خطاب التحدي؛ في أكثر من ساحة حساسة؛ تمتد رقعتها من إيران إلى فلسطين مروراً بالعراق.

فالحراك السياسي الذي تشهده المنطقة، من الداخل والخارج وما يتسم به من تهديدات وعرض عضلات وحصارات وتلويح بالخيارات العسكرية؛ يشي باحتمالات غير سارة.

وينذر بالمزيد من التدهور إذا تعذر استباقه وإعادة تصويب الوجهة شطر البدائل التي من شأنها أن توفر على الشرق الأوسط الدخول مرة أخرى في نفق الحروب والصراعات المسلحة المفتوحة، لا على شيء غير الخراب والدمار.

لذا ومن موقع المسؤولية والوعي بالمخاطر التي تختزنها البؤر المأزومة والمشتعلة، حرصت القمة الخليجية، ليس فقط على التحذير من العواقب لو بقيت الأمور الخلافية والصراعات على خط سيرها الراهن؛ بل أيضاً حرصت على تسليط الأضواء وبإلحاح على الخيارات الأخرى الكفيلة بتجنيب الجميع الوقوع تحت عبء فواتير لا يقوى أحد على تسديدها.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى توكيد «التشاورية» على وجوب معالجة الملف النووي الإيراني، في إطار الآلية والمرجعية الخاصة به، وذلك بتركه في عهدة وكالة الطاقة وإبعاده عن مجلس الأمن والفصل السابع الإلزامي من ميثاق الأمم المتحدة.

ويعكس ذلك إدراك القمة بأن إخراج هذه القضية من يد وكالة الطاقة ليس سوى الخطوة الأولى لتأجيج المشكلة ووضعها على طريق المواجهة العسكرية اللاحقة؛ التي لن يكون أحد في المنطقة بمأمن من شظاياها.

التأكيد الخليجي على الحوار لفض الصراعات الدائرة في المنطقة يعكس الدور الإيجابي السليم الذي تسعى دول المجلس للاضطلاع به في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الشرق الأوسط. وهو دور يصب في مجرى المواقف الدولية التي تدعو إلى الابتعاد عن الخيارات العسكرية في الخليج، ويزيد من قوته وفعاليته.