مع تفاقم الأزمة الأميركية وتصاعدها مع إيران حول البرنامج النووي الإيراني لا يسع أي مراقب إلا أن يتساءل: هل هناك احتمال لتسوية سلمية عند نهاية المطاف؟

من المفيد في هذا الصدد أن نطالع مقالة نشرت في صحيفة «هيرالد تربيون» الأميركية بقلم شخصية مشهود لها أميركياً وعالمياً في مجال الخبرة الاستراتيجية.

وهو زيبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي جيمس كارتر سابقاً، تحت عنوان «لا تهاجموا إيران» يطرح هذا المفكر الاستراتيجي موقفاً معارضاً لأي عمل عسكري أميركي ضد إيران. ولتبرير هذا الموقف فإنه يعرض أربعة أسباب يمكن تلخيصها كما يلي:

أولاً: في غياب أي خطر إيراني فوري ـ حيث أن إيران لا تزال على مبعدة سبع سنوات من تملك ترسانة نووية ـ فإن هجوماً أميركياً على إيران سيكون شن حرب عدوانية من طرف واحد.

واذا نفذ هذا الهجوم دون موافقة رسمية من الكونغرس فانه سيكون غير دستوري مما يتطلب محاكمة الرئيس الأميركي.. وكذلك اذا نفذ الهجوم دون تخويل من مجلس الأمن الدولي فانه سيكون خروجاً على القانون الدولي.

ثانياً: ردود الفعل الإيرانية المتوقعة ستؤدي إلى تعقيد وضع الولايات المتحدة الصعب في العراق وأفغانستان وربما يؤدي أيضا استفزاز «حزب الله» اللبناني.

وفي كل الأحوال ستجد الولايات المتحدة نفسها متورطة في مستنقع إقليمي من العنف لمدى عشر سنوات أو أكثر. فإيران بلد يقطنه 70 مليوناً وبالتالي فإن نشوب صراع قتالي معها سوف يجعل الورطة الأميركية في العراق وكأنها «لعب عيال».

ثالثاً: سوف تتصاعد أسعار النفط العالمية على نحو حاد خاصة إذا خفضت إيران إنتاجها واتجهت إلِى قطع تدفق النفط من السعودية. وفي هذه الحالة سوف يصاب الاقتصاد العالمي بشلل ويلقي العالم بالمسؤولية على الولايات المتحدة. ولنأخذ في الاعتبار ان أسعار النفط تجاوزت الآن 70 دولاراً للبرميل بسبب مخاوف من حدوث صدام أميركي إيراني.

رابعاً: أميركا سوف تكون هدفا لهجمات إرهابية أكثر من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه فان العالم سوف يتوصل إلى قناعة بأن دعم أميركا لإسرائيل هو في حد ذاته سبب لتصاعد الإرهاب. وبالتالي سوف تكون أميركا أكثر عزلة وتعرضاً للخطر بينما تخسر احتمالات وئام إقليمي بين إسرائيل وجيرانها.

من هذه الأسباب الأربعة يخرج الخبير الاستراتيجي الأميركي بريجنسكي باستخلاص مفاده أن هجوما أميركياً على إيران سيكون «ضرباً من الغباء السياسي»، ويضيف :اذا أخذنا في الاعتبار أن أميركا أصبحت هدفاً لمشاعر عدائية عالمية واسعة النطاق فإن ضرب إيران قد يشكل بداية لعد تنازلي للهيبة الأميركية.

هل هناك مخرج من الأزمة؟ وما هو؟

يقول بريجنسكي انه لا مخرج من الأزمة بشأن البرنامج النووي الإيراني إلا بأن تقتنع واشنطن بوجوب إخلاء منطقة الشرق الأوسط بأكملها ـ بما في ذلك إسرائيل ـ من أسلحة الدمار الشامل. وينبه إلى أنه ينبغي أن يمهد لهذه القناعة بأن تتجه الولايات المتحدة وفق سياسة جديدة إلى إيجاد تسوية عادلة للنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.

ويبقى سؤال: متى تتحرر الإرادة السياسية الأميركية من الارتهان إلى الحركة اليهودية الصهيونية التي يمثلها في البيت الأبيض عصابة «المحافظين الجدد»؟