منذ انتخاب الشعب الفلسطيني حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بملء إرادته وبطريقة ديمقراطية شهد لها القاصي والداني، أعلنت إسرائيل حرباً مفتوحة وبكل الوسائل.
وحركت تل أبيب كافة الدوائر الصهيونية في الغرب والولايات المتحدة، لإحكام الحصار الخانق على الضفة وغزة، الذي تصاعد في شكل قطع وسائل الدعم المادي والعيني، بما يهدد الفلسطينيين بحرب تجويع، عقابا ليس لحماس كما هو معلن، ولكن لمن اختاروا حماس أولاً وقبل كل شيء.
هنا تسقط كل دعاوى الديمقراطية، والحرية التي لا يتوانى الغرب والأميركيون عن تبشيرهم بها، وأنهم الحراس الأمناء على نشرها في ربوع الأرض بجهاتها الأربع، وهو ما أثبتت الأيام زيفه، ليس مع المثال الفلسطيني فحسب.
ولكن أيضا في العراق، وباقي البلدان التي لوحت لها أميركا بعصا الدمقرطة حيناً، قبل أن تغض الطرف عن ممارسات فاضحة في الطرقات والأزقة ضد المتظاهرين العزل، الذين خرجوا للمطالبة بالتغيير.
العيب إذن ليس في الشعب الفلسطيني الذي اختار حماس، ولا في الحركة التي وثق الفلسطينيون في قيادتها وشعاراتها المرفوعة، فحق على الاثنين لعنة الغرب والأميركيين عن الديمقراطية المزيفة باعتبارها علامة تجارية محفوظة الحقوق لسلعة منتهية الصلاحية.
ارتكب الغرب خطيئته الكبرى بزرع إسرائيل على أنقاض القرى الفلسطينية، وجثث أبنائها، وضمنت أميركا طوال الوقت امن الإسرائيليين، واليوم يواصلون الجريمة بجريمة جديدة، بمحاولة تركيع إرادة الشعب الفلسطيني بلقمة الخبز.
وطبق الأرز، ورواتب موظفي الحكومة، الذين باتوا تحت سيف التهديد لكل من تسول له نفسه مد الفلسطينيين بأية معونة، تساعدهم على تجاوز محنة التجويع، وقصور ذات اليد، في ظل خزينة خاوية، بعد أن لعبت الفئران الفاسدة في محتوياتها في فترات سابقة.
وليت الحرب اقتصرت على امتناع الغرب والولايات المتحدة عن تقديم العون، ولكنها امتدت إلى منع باقي الأيادي وخاصة العربية عن الوصول الى الفلسطينيين، تحت سلاح الترهيب والضغوط المعلن منها والخفي، فباتت الجامعة العربية عاجزة عن تنفيذ تعهدات قطعتها قمة الخرطوم على نفسها.
فهل سيبقى العرب مكتوفي الأيدي أمام التعنت الأميركي، والذيلية الأوروبية؟
أن تتخذ واشنطن موقف العداء من اختيارات الشعب الفلسطيني، وهي المنحازة حتى أخمص قدميها إلى حليفتها إسرائيل، فهذا شأنها، وأن يسارع الأوروبيون إلى مجاراة الأميركيين، فهذا دأبهم، لكن أن نظل على حالنا نشاهد إخوتنا يموتون جوعا، فهو ما لن يغفره التاريخ، ولن تتسامح معه أجيال ما بعدنا.
علينا أن نهجر عقدة الخوف، وأن نكون أكثر جرأة في رفض الحصار الأميركي والأوروبي الجائر بحق الفلسطينيين، وألا نترك محفلاً من دون التنديد به، وفضح نواياه الخبيثة خدمة لإسرائيل ومصالحها.
فرسالة تجويع الفلسطينيين، ليست موجهة إلى حماس وحدها، ولكنها لمن يعي، خطاب مفتوح، لكن من يفكر في معارضة أميركا، والوقوف في وجه مخططاتها التي تتكامل مع الأهداف الإسرائيلية، في إخضاع المنطقة برمتها، وفرض إرادتها، من دون أي تعقيب، ولا نقول اعتراض!
ترك الفلسطينيين وحكومتهم المنتخبة في العراء، يواجهون الذئاب المعتادة على مص الدماء خطيئة لا تغتفر، وعلينا جميعا أن نتكاتف في الدفاع عن حقنا في اختيار الطريق الذي نسلكه، وليس الدروب المحددة سلفاً من الآخرين، والتي تنتهي عادة بحائط مسدود، لا باب يحمله ولا نافذة يمكن الهروب منها.