يقولون إننا مجرد ظاهرة صوتية، نتكلم كثيراً ولا نفعل شيئاً . وعندما أنجزنا نصر أكتوبر العظيم كانت مهمة الأعداء أن يقنعونا بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بأنه المعجزة التي لن تتكرر! الآن نبدو وكأننا أرحنا واسترحنا، لا صوت ولا صورة، بل حالة بلادة «قومية!!» شاملة تستعصي على الفهم وتحتار فيها العقول!
انظر حولك.. والعراق يساق بتصميم واع إلى حرب أهلية نعلم جميعاً أنها لن تقف عند حدود بلاد الرافدين، وان المنطقة كلها ستكتوي بنارها .
ومع ذلك فكل ما نفعله أن نجلس أمام شاشات التلفزيون نشاهد جثث الضحايا ونتابع حوار الطرشان بين الفرقاء في العراق، ولا نحس بالخجل حين نسمع أن مصير العراق سيطرح في مباحثات بين أميركا وإيران، و لا نشعر بالعار وهناك من يتسابقون في الحديث باسم الإسلام وقيادة المسلمين نحو الهاوية !
وانظر إلى ما يجري على الساحة الفلسطينية، وبغض النظر عن الموقف من حماس فلابد أن يثور سؤال : كيف يحتمل الضمير العربي حرب التجويع ضد الشعب الفلسطيني؟
وهل كانت أميركا تجرؤ على فرض الحصار على الفلسطينيين ودفع أوروبا إلى نفس النهج والضغط على الحكومات العربية لتشارك في الفضيحة، فإذا قدمت الشعوب العربية ما تستطيع منعت البنوك من توصيل المساعدات؟!
هل كان يمكن أن يحدث كل ذلك لو أنهم كانوا يتوقعون رد فعل حقيقي على ما يرتكبون من جرائم في حق الفلسطينيين؟ وهل كانت واشنطن تفعل ما تفعل لو أنها واثقة كل الثقة من أن مصالحها ستظل آمنة على أرضنا العربية من المحيط إلى الخليج؟!
وانظر إلى السودان الذي يجرى تقسيمه على نار هادئة. والغياب العربي كامل والحمد لله، رغم قمة عربية انعقدت في الخرطوم وكان كل ما أنجزته أنها انعقدت .
ومصير دارفور تحدده القوى الأجنبية، وهو في النهاية على طريق الجنوب السائر نحو الانفصال. ولنسأل أنفسنا بهدوء: هل كان يمكن أن يحدث ما يحدث لو أن هناك نظاماً عربياً يعرف كيف يصون الأمن.
ولو أن هناك موقفاً عربياً قال كلمة حق حين أعلنت حكومة الخرطوم الجهاد المقدس (باسم الإسلام المفترى عليه) ضد شعبها في الجنوب، فكانت النتيجة أن ضاع الجنوب، وستضيع دارفور، وبعدها الشرق، بينما البعض مازال يحدثنا عن انتصار الإسلام على القوم الكافرين !
وها نحن أمام كرة النار المشتعلة في أزمة إيران النووية.. فأين نحن منها ؟ البعض منا يرى أن إيران النووية قوة للمسلمين وللعرب وللمستضعفين في الأرض، والبعض يتذكر ما حدث من القنبلة الباكستانية «الإسلامية!!» التي دفعنا معظم تكاليفها وانتهى بها الأمر في الحفظ والصون.. الأميركيين.
والبعض يرى أن إيران النووية خطر علينا وعلى المنطقة، والبعض يرد ومن الذي فرض الضعف علينا ومنح إسرائيل حق الانفراد بترسانة نووية بمساعدة أميركا والغرب لتواصل الاحتلال وتمارس الابتزاز السياسي والعسكري وتعلن ـ بالفم المليان ـ أن مجال أمنها يمتد من إندونيسيا إلى موريتانيا وأنها ستمنع أي خطر يتهددها في هذه المنطقة.. من وجهة نظر النازيين الحاكمين فيها بالطبع!
والخلاف في الرؤى بين الأفراد والجماعات أمر طيب ومقبول.. بل ومطلوب، ولكن هذا ينبغي أن ينتهي بسياسات دولة ثم باتفاق رؤى بين دول عربية يجمعها نظام إقليمي إذا لم نتحدث عن الروابط القومية حتى لا يغضب البعض منا أو من « الآخرين» الذين «بشرونا» بنهاية العروبة وبدء العصر الأميركي السعيد في إطار الشرق الأوسط الواسع أو الكبير !!المهم..
أين هذه الرؤية العربية في مواجهة قضية إيران النووية أو في غيرها من القضايا ؟ لاشيء إلا الانتظار.. انتظار الفرج أو انتظار الكارثة، والله أعلم وملائكته و.. الإدارة الأميركية!
كل القوى الهائلة (في المنطقة وفى العالم) تضع أمامها السيناريوهات المختلفة للأزمة، وكيفية التعامل معها لحفظ أمنها ومصالحها، وتحقيق المكاسب إن أمكن، وتقليل الخسائر إذا كانت واردة، البعض يستبعد الصدام، والأسباب كثيرة وأولها وأهمها الفشل الأميركي في العراق والآثار المتوقعة لانقطاع بترول إيران والخليج ..
وهؤلاء يراهنون على صفقة تحدث في النهاية، ويكون ثمنها الاعتراف بإيران كقوة إقليمية وبحقها فى السلاح النووي مع تأجيل الحصول عليه لبعض سنوات تأمل أميركا أن تكون قد تمكنت فيها من تغيير النظام في طهران من الداخل.
ماذا يعنى ذلك للدول العربية؟ وكيف سيكون تأثيره على مستقبل العراق ومنطقة الخليج بعد ذلك ؟ وهل هناك استعداد للتعامل مع هذا السيناريو أم أننا سنكتفي بالفرجة على ما يحدث، ونعلق الآمال على دور خارجي لتحقيق أمننا، وهو دور يمكن أن ينتهي في أي لحظة، ويمكن ان يحولنا إلى مجرد ورقة للمساومة في صراع أكبر منا؟!
والبعض يتصرف على ان الصدام واقع لا محالة، وأن الفشل الأميركي في العراق قد يكون هو نفسه الدافع لمغامرة أخرى في إيران تساعد في تخفيف العبء على القوات الأميركية في العراق.
وربما تفتح الباب لتغييرات داخلية في طهران، خاصة إذا كانت واشنطن قد اكتشفت أن البرنامج النووي الإيراني أكثر قرباً من إنتاج السلاح النووي مما هو معلن أو من التقديرات السابقة، ومع الضغط الإسرائيلي على واشنطن في اتجاه التصعيد والصدام، المهم ..
ماذا أعددنا لمثل هذا السيناريو الكارثى؟ وكيف سنواجه الموقف؟ وهل سيكون علينا أن ندفع ثمن الصدام إذا وقع، وثمن الوفاق إذا تم؟! وكيف لا نكون طرفاً فاعلاً في قضية تتعلق بمستقبلنا وبترتيب الأوضاع داخل أوطاننا؟
وإلى متى لا نتعلم مما يحدث لنا أن ذهابنا إلى المستقبل معطل في غياب الرؤية المشتركة، وأن استقرارنا وأمننا سيظل في مهب الريح طالما أن مفاتيح الدفاع عنها ليست في أيدينا، وأننا في زمن لم يعد فيه مكان إلا للقوى الكبرى القادرة على الحياة والتقدم وامتلاك أسباب القوة الاقتصادية والسياسية و العلمية والعسكرية ؟
ولماذا لا نعترف بأن هروبنا من عروبتنا لم يفدنا بشيء، وان مشاريعنا القطرية لم تحقق ولن تحقق الأمن ولا الاستقرار ولا الازدهار لأحد بل تركتنا في النهاية نهباً لأطماع الآخرين، ندفع وحدنا ثمن الحرب وثمن الوفاق بين القوى الأكبر.
وننفق الكثير على أمن لا يتحقق، وعلى تقدم يتم تعطيله، وعلى إصلاح يقال لنا بوضوح شديد أن ما يجرى في العراق هو النموذج المطلوب منه؟!
و.. ليست هذه دعوة لليأس، بل دعوة لأن ندرك جميعاً حجم المخاطر التي نتعرض لها، والتي لا يمكن أن نواجهها بنظام عربي عاجز، ولا بحالة البلادة وانتظار الفرج أو الكارثة، وإنما باستعادة الوعي الغائب والانطلاق من نقطة اتفاق على مواجهة الخطر الذي لا يستثني أحداً في العالم العربي.
والإدراك بأن حالة الهدوء أو البلادة التي تبدو على السطح الآن تخفي في أحشائها الكثير الذي يمكن أن يقود إلى مفترق طرق: إما إلى الفوضى «الخلاقة» كما يردد البعض.
وإما إلى بداية حقيقية تضع الأمة على الطريق الصحيح الذي يعرف الجميع عنوانه ولكنهم لا يزيلون الحواجز الموضوعة امامه، غير مدركين أن الحواجز لابد أن تسقط في النهاية، ولكن أي ثمن سيكون قد تم دفعه.. ولماذا؟!