نجاح فيلم «الجنة الآن» للمخرج الفلسطيني هاني أبوأسعد يعيدنا لجدل قديم: أيهما أكثر تأثيراً،الفنون والثقافة والسينما على وجه الخصوص أم السياسة؟.
إن الثقافة والفنون والسينما بالأخص يمكن أن تؤدي أدواراً تفوق في أهميتها ما تؤديه ثرثرات السياسيين ومشاحناتهم ومناقشاتهم المهلكة، بل وان تحدث تأثيرا واضحا في فترة قصيرة تستغرقها السياسة في سنوات.
لكن ودون أوهام، فان هذا لا يعني تقليلا من شأن السياسة خصوصا إذا ما تعلق الأمر بصراع للتحرر الوطني أو صراع معقد ومتشابك الأوجه والأبعاد مثل الصراع العربي الإسرائيلي.
ربما أن في هذا الفيلم المتخم بالجوائز ما يجعلنا ندرك أسباب الاحتفاء الغربي به على الأقل، فالدخول عميقا في قلب أكثر الظواهر المستعصية على فهم الغربيين وهي العمليات الاستشهادية يبدو وكأنه محاولة لتقديم جواب يساير فرضيات مسبقة لدى الغربيين اختزلها الإعلام الغربي حتى الآن في مفردة مبتذلة اسمها «الإرهاب».
لكن من هنا أيضاً، من هذه النقطة المستعصية يقدم الفيلم أكثر التساؤلات التي تفضح هذا النفاق والعمى الأخلاقي لدى الغرب. كيف يصل اليأس لدى شبان يافعين حدا يجعل التفكير في عملية انتحارية مخرجا للخلاص من معاناة لطالما تعامى عنها الضمير الغربي وضاعت في العمى والنفاق الأخلاقي الذي يمارسه الغرب حتى اليوم.
يبدأ الفيلم بلقطة متكررة في الأفلام الفلسطينية التي أنتجت في السنوات الأخيرة، فلسطينية تعبر حاجزا عسكريا إسرائيلياً. المشهد الذي يعيد تذكير العالم بالمأساة.. دورة الحياة اليومية للفلسطينيين المحكومة بالحواجز العسكرية الإسرائيلية. لا يتوقف الغربيون كثيراً أمام هذا المشهد أو ربما يتوقفون لكنهم يتغاضون عنه تحت وطأة الدعاية الصهيونية المكثفة.
كيف يمكن للحياة اليومية للفلسطينيين أن تكون حياة عادية مثل التي ينعم بها أي إنسان في أي بلد طالما أن اجتياز بضع كيلومترات في المدن والقرى يتطلب المرور على عشرات الحواجز؟.
وقبل أبوأسعد، فضح إيليا سليمان في فيلمه الرائع «يد الهية» الاحتلال الإسرائيلي عبر مشاهد الحواجز المتكررة بل وأدار مهرجانا من السخرية من الاحتلال وحواجزه في مشهد واحد عندما طير بالونا يحمل صورة الراحل ياسر عرفات وراح يحلق عاليا فوق الحواجز.
وفي سماء المدن والقرى والكنائس ليستقر أخيراً على قبة الصخرة في مشهد جعل المشاهدين يضحكون من الأعماق على أولئك الجنود الإسرائيليين الذين راحوا يطاردون بالونا لمجرد انه يحمل صورة ياسر عرفات.
إيليا سليمان كان مسكونا بالحواجز، وثلاثة أرباع مشاهد فيلمه الأخاذ كانت تدور على الحواجز، لقاء الحبيبة يقتضي الانتظار على الحواجز، أما أبوأسعد وفيلمه الرائع «الجنة الآن» فهو يمضي عميقا في فضح الاحتلال من خلال ما يتسبب فيه للفلسطينيين أنفسهم.
لن يكون بالإمكان الإحاطة بالخراب الذي حل بالفلسطينيين، إلا من خلال فهم كل أبعاد النقد الذي مارسه أبوأسعد من خلال التشريح الدقيق لظاهرة العمليات الاستشهادية وبيئتها وخلفياتها هو بالضبط ما سيقود المشاهد لفهم الوطأة الثقيلة التي لا تحتمل للاحتلال وتأثيره المدمر على الفلسطينيين.
إن بطلي الفيلم سعيد (قيس الناشف) وخالد (علي سليمان) شابان فلسطينيان يعملان في مرآب لإصلاح السيارات. لا يبدو عليهما التدين ويبدوان من دون أحلام أو طموحات، بل حياة تسير يوما بيوم في أجواء مشبعة باليأس.
يقدم المخرج بطليه بشكل غاية في الإيحاء والبلاغة في المشاهد الأولى من الفيلم عبر حوار مليء بالتوتر مع زبون جاء يستلم سيارته. توتر يدفع خالد إلى تخريب السيارة إثر إصرار الزبون على أن العجلات ليست مستوية. رب العمل يطرد خالداً فيما الكاميرا تنتقل إلى مشهد الصديقين وهما يدخنان «النرجيلة» ويشربان الشاي.
ليس لحوارهما أي أفق أو طموح، بل إن كلمات مثل «لا ادري» و«ما بعرف» التي تتكرر على لسانهما ترسخ ذلك الإحساس بالضياع لدى شابين لا يعرفان ماذا يفعلان. فهما لا يتحدثان عن فرص تنتظرهما أو طموحات.
لكن المدلول هنا بليغ ويستوقفنا، فهذا الجيل هو بالضبط هو الذي تدور كل الرهانات حوله. فالسلام يفترض أن يفتح أمامهما آفاق المستقبل والعمل، وهو أيضاً الجيل الذي يشكل وقود العمليات الانتحارية.
مفارقة مثل هذه يلمسها الفيلم ببراعة عندما يرينا وبأكبر قدر من الإقناع البعيد عن الافتعال كيف ينشد سعيد الخلاص من معاناة شخصية عبر التطوع لتنفيذ عملية استشهادية. اندفاع يبدو وكأنه محاولة للتكفير عن ذنب ثقيل الوطأة تركه والده الراحل.
ففي لحظة بوح حميمي لصديقه خالد وهما في الطريق الى تنفيذ العملية الاستشهادية يعلن أن أباه كان عميلا للإسرائيليين وان هذا معروف للجميع. وتحت وطأة هذا الشعور يبدو سعيد أكثر تصميماً على تنفيذ العملية رغم الأسئلة الساذجة التي يطرحها على الحركيين الذين اختاروه لتنفيذ العملية.
فهو يسأل احدهم: ماذا سيحدث بعد العملية؟ يجيبه الآخر ببساطة إن اثنين من الملائكة سيأتيان ويأخذاهما؟ ويعود سعيد للتساؤل: أكيد؟. يأتيه الجواب: بالتأكيد.
هذه التركة الثقيلة من الشعور بالذنب ستعيد المعاناة من جديد للجذر الرئيسي: الاحتلال. الاحتلال الذي يحتاج للعملاء لكي يحكم سيطرته على الأرض والشعب. معاناة يعبر عنها سعيد عندما يقول انه لم يغادر الضفة منذ 10 سنوات.
ويمضي أكثر عندما تدفعه معاناته للالتفات عن حب الفتاة «سهى». الحب الذي يدفعها لكي توقظ فيه حب الحياة لكنها تبدو كمن تتضرع لجثة. تسأله: الم تدخل سينما في حياتك؟ ألا تحب السينما؟ ألا يخطر ببالك ان تسمع موسيقى؟.
ان هذا الحوار الذي يبدو مثل مونولوج جماعي يشترك فيه كل الفلسطينيين يقذف بسؤال أمام عمى الضمير الغربي: ألا يستحق الفلسطينيون حياة طبيعية يتمتعون فيها بأبسط مباهج الحياة..؟ الموسيقى؟ السينما؟ او بعبارة أكثر تبسيطا: ان يفرحوا؟.
ان جرعة النقد العالية للعمليات الاستشهادية في الفيلم لا تمس فكرة البطولة او الفداء نفسها لكنها تطرح تساؤلات حول هذا المدى المدمر من اليأس الذي بلغه الشبان الفلسطينيون إلى الحد الذي يجعلهم يفضلون خيارا عدمياً على هذا النحو.
بل يمضي الفيلم أكثر في تشريح ثقافة ومخزون العنف الخارج عن السوية التي بدأت تسود في أوساط الفلسطينيين في الحوار الذي يدور بين «سهى» وصاحب استديو التصوير. ففيما كان سعيد وسهى قد جاءا الاستديو لاستلام صور فوتوغرافية كان صاحب الاستديو يعرض شريط فيديو عن إعدام عملاء ويتحدث بشكل طبيعي عن أسعار الإعارة وأسعار الشراء وكأنه يتحدث عن فيلم تسلية.
أما تصوير البطلين الاستشهاديين قبل تنفيذ العملية فهو لا يفضح هذا القدر من الاصطناع في البطولة بل يمضي أكثر عندما يكشف ان دخول أراضي 48 وتسهيل العملية تتم بتواطؤ من إسرائيلي يريد قبض الثمن ليس الا.
لكن أياً كان المدى الذي ذهب إليه الفيلم في نقده للعمليات الاستشهادية، فهو لا يفعل في الحقيقة سوى ان يقودنا الى جذر كل هذا الخراب الروحي الذي حل بالفلسطينيين.. إلى مستنقع اليأس بالضبط. اليأس الذي لم يخلقه ويغذيه ويرسخه بدأب وعناد لا يلين إلا الاحتلال والتواطؤ العالمي مع الاحتلال.
كاتب وصحافي بحريني
