عندما ننغمس في الكتابة اليومية نعيش حالة توتر في كل لحظة، ويتواصل القلق طوال اليوم، خوفاً من عدم توفر فكرة للغد أو بعده أو بعد الذي بعده، وما ان نتوقف لالتقاط الأنفاس بضعة أيام قد لا نزيد على سبعة، ونريح القلم ونستريح قليلاً، نجد ان كل ما يمر بنا يمكن ان نكتب عنه، تتجمع الأفكار، وتتداعى واحدة تلو الأخرى.

وتقع احداث، وتمر مناسبات، ونستغرب من هذا الهم «الجميل» الذي نشتكي منه ونحن نمارسه كعادة والتزام، ونفتقده يوم «ينزاح» عن كواهلنا وفكرنا وكأن جزءاً منا قد «بتر».

الكتابة اليومية ليست «ورطة» كما قال البعض، وليس «هذراً» كما ظن البعض الآخر، فهي وإن كانت «هماً» تدخل في باب الهموم المستحبة، القريبة إلى النفس وإن وترتها، المريحة للفكر وإن شغلته، فمن يملك ان يطرح هموم الناس ويناقشها ويبحث عن الحلول لها لا تهمه همومه، خاصة اذا رأى نتيجة محققة لما كتب، والنتيجة قد لا تكون في ذات اليوم.

وقد لا يعلن عنها، وقد تستمر مناقشتها أشهراً وسنوات، كل هم بحجمه ومدى اتساعه، وكل قضية بعمقها وقناعة المجتمع بها، وقد علمتنا الأيام والسنون ان النقاش سمة للتطور، وأن التطور لا يستقيم دون طرح الهموم والمشكلات، ولهذا حملنا «القلم» بأصابع كانت قوية ومازالت، حتى وإن أصابها الوهن، فليس اليوم كما في البدايات، في ذلك الوقت الضارب في القدم، ومع ذلك مازلنا نخاف على «أصابعنا» ولا نخاف مما تكتب «أصابعنا».

قلت للطبيبة «افعلي ما شئت بكتفي، سأحتمل الألم، وضربات موجات الليزر التسعمئة، ولكن أصابعي أريدها قادرة على حمل القلم»، ولم تفهمني، فأعدت السؤال والاستفسار؟ قلت «اعبثي بذراعي كما تشائين، ولكن هذه أريدها ان تتحرك فمازال فيها بقية من عمر لتنقل ما يجول في الخاطر».

وأشرت إلى أصابعي، وأخرجت قلمي، وحادثتها كما يتحدث «الصم والبكم»، بالإشارات، علّها تفهم مقصدي، ولم أسلمها نفسي لتفتت ما تحجر وتكلس من شوائب الزمان على عظام وعضلات يدي التي وهنت وهي تحمل مسؤولية رسم أفكار وهموم نفسي وأهلي ومجتمعي الا بعد ان طمأنتني.

واليوم، أجرب حمل القلم من جديد، لا ابدأ بهمّ عام، أحاول ان أتمرن لجولة أخرى من جولات العمر بحديث خاص.

myousef_1@yahoo.com