لا يخفى على أحد ان الشعب الفلسطيني يواجه واحدة من اخطر الهجمات في تاريخه على مستقبله ولقمة عيشه وحقه في تقرير المصير.
وفي حين تحكم إسرائيل بدعم من أطراف دولية وصمت من أطراف أخرى الحصار الاقتصادي والسياسي والعسكري على الشعب الفلسطيني باحتجاز أمواله والمساعدات المقدمة له وبمئات الحواجز العسكرية وجدار الفصل العنصري، تشن حكومة أولمرت حملتها لفرض واقع الفصل العنصري وتقطيع الأوصال.
وتستعد لانتزاع مباركة دولية لمصادرة حوالي نصف الضفة الغربية بما فيها القدس ولمشروعها الأحادي لتدمير إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ومبدأ السلام على أساس وجود دولتين.
وحتى لو تم إيقاظ الأم تيريزا من قبرها وتسليمها رئاسة الحكومة الفلسطينية فلن يكفي ذلك لجعل إسرائيل تعترف بوجود شريك فلسطيني. لأن جوهر الموقف الإسرائيلي ان التفاوض لم يعد مرغوباً ولا مقبولاً، ما دامت الظروف متوفرة لفرض الأمر الواقع الإسرائيلي من جانب واحد، وما دام الفلسطينيون قد مارسوا خيارهم الديمقراطي وخلقوا واقعاً جديداً بأن اتفاقا لن يمر ما لم يحظ بموافقة الناخب والمواطن الفلسطيني.
أما الخلاف الفلسطيني الداخلي المؤسف بين حركتي فتح وحماس، فليس سوى ستار دخان يستظل الاحتلال الإسرائيلي به لتنفيذ مخططاته، ويسعى لتوتيره ودفعه إن أمكن إلى درجة الحرب الأهلية.
ان الصورة الحقيقية لما يجري، تتمثل في تسريع بناء الجدار والتوسع الاستيطاني، وشن حرب من الاجتياحات والاعتقالات وعمليات القصف المتلاحقة في مختلف أرجاء الأراضي الفلسطينية، فيما يشكل الفصل الختامي للمشروع الصهيوني المعدل بالاستيلاء على اكبر كم ممكن من الأراضي، وحشر أبناء شعبنا في معازل وسجون.
أنها حرب لا تتوقف سواء قاوم الفلسطينيون او لم يقاوموا.
ونحن في حالة صراع مفتوح من إسرائيل على كل الجبهات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وعندما نواجه كشعب حالة كهذه ونقرأ معالمها بصورة صحيحة، لا يبقى أمامنا ما هو أهم من هدف واحد، وهو إحباط وإفشال المخطط الإسرائيلي وتوفير إدارة صحيحة للصراع دفاعاً عن نفسنا وأبنائنا ومستقبلنا ودفاعاً عن حقنا في الحرية وفي إرساء سلام عادل وأمن حقيقي لمواطنينا وحياة كريمة لهم.
وفي مواجهة هذا الوضع لا بد ان تتضاءل وتتلاشى المصالح والصراعات الفئوية والحزبية، وان تفقد الصراعات البرلمانية والمواجهات الانتخابية من جامعة لأخرى طعمها. لأن المنتصر في أي منها يبقى مع المهزوم في نفس باحة السجن المحاط بحراب الاحتلال والمهدد باجتياحات دباباته وآلياته في كل لحظة.
انها الحقيقة المرة.. التي لم تفلح سنوات اوسلو الثلاث عشرة سنة في إخفائها... ما زلنا تحت الاحتلال، وما زال قطاع غزة السجن الأكبر في العالم، وما زالت السلطة والحكومة واتفاقياتها السياسية والاقتصادية مثل شعبها تحت الاحتلال، ولا ينفي ذلك ان الشعب الفلسطيني استطاع تمكين نفسه وقدراته عبر الممارسة الديمقراطية التي امتدت من انتخابات الرئاسة للمجالس البلدية وانتهاء بالانتخابات التشريعية.
فتلك الممارسة الديمقراطية الفذة، رغم أنف الاحتلال، قد أنهت إلى الأبد إمكانية فرض قيادة صنيعة على الشعب الفلسطيني، وثبتت ان الشرعية في كل منصب قيادي لا تكتسب إلا بالانتخابات الحرة وأصوات الناخبين. وهي من هذه الناحية انجاز لا تراجع عنه، وبالتالي فإن فرصة فرض حلول منقوصة على الشعب الفلسطيني صارت شبه معدومة.
ولذلك كان خيار إسرائيل الاستراتيجي ـ فرض الواقع من جانب واحد. وبالاستناد الى ذلك الفهم يجب تكوين رؤية استراتيجية فلسطينية لفك الحصار المضروب، وإسناد صمود الناس وتوفير لقمة العيش الكريم لهم، ومواجهة المخطط الإسرائيلي وتطويقه على الصعيد العربي والدولي، وإبقاء الإجراءات الإسرائيلية في اطار الممارسات غير الشرعية لدولة احتلال تخرق كل القوانين والأعراف الدولية ومنظومة القيم الإنسانية.
وتحقيق ذلك يتطلب استراتيجية موحدة وخطة عمل موحدة والنضال الموحد. ولا يوجد في فلسطين حزب او فصيل واحد يستطيع القيام بهذه المهمة منفرداً. قبل ست سنوات أطلقنا دعوتنا لإنشاء قيادة وطنية موحدة، وها هو شعبنا يدفع ثمناً باهظاً بسبب التنكر او التراخي أو الاستهانة بأهمية تحقيق ذلك الهدف.
ان الاستراتيجية الموحدة، يجب ان تحقق أربعة أهداف فورية: ـ
أولا : ـ وحدة العمل والنضال الفلسطيني بمعايير وقواعد متفق عليها.
ثانيا : ـ كسر العزلة الدولية والحصار المالي وفتح الأبواب التي لا يريد أصحابها إحكام إغلاقها ولا يجرؤون في نفس الوقت على فتحها.
ثالثا: ـ كسر حلقة الأزمة الاقتصادية والمالية واستنهاض طاقات الشعب الفلسطيني في الشتات لإسناد وطنهم وأهلهم.
رابعاً : ـ إفشال مخطط الفصل من جانب واحد - وتطويقه وعزله دوليا بتقديم بديل مقنع يستند إلى القرارات الدولية المناصرة لحق الشعب الفلسطيني.
ان الأداة الفورية لتحقيق ذلك، تتمثل في دخول القوى الفلسطينية الثلاث التي ما زالت خارج منظمة التحرير اليها، أي حماس والمبادرة الوطنية والجهاد الإسلامي، وتكوين قيادة وطنية موحدة تقرر بشكل جماعي المواقف والتحركات السياسية والنضالية.
ولا يحق لأحد في هذه الحالة الخروج على الإجماع الوطني او الانفراد باتخاذ القرارات، مع الاستمرار بالطبع في إجراءات إصلاح وإحياء منظمة التحرير واشراك الفلسطينيين في الشتات في انتخاب هيئاتها.
ويتمثل ثانياً في تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كافة الكتل البرلمانية والكفاءات الوطنية، ويكون نواتها مجلس وزاري مصغر من ممثلي الكتل المشاركة ليتخذ القرارات الأساسية الوطنية والاجتماعية.
ويتمثل ثالثاً في تبني الحكومة الموحدة لبرنامج يقر بوثيقة الاستقلال، ويتمسك بحزم بحق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة على كامل الأراضي المحتلة عام 67 وفي مقدمتها القدس وبحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين، ويرفض الاستيطان وجدار الفصل العنصري.
ويدعو لعقد مؤتمر دولي على قاعدة القرارات الدولية المناصرة للحق الفلسطيني والمبادرة العربية، وتطرح أمامه كافة قضايا الحل النهائي.
ويتمثل رابعاً في التمسك بالنظام الديمقراطي والانتخابات الديمقراطية وتعزيزه، ومعالجة كافة الخلافات بالحوار الوطني وحماية الوحدة الوطنية واستكمال إجراءات الإصلاح الداخلي الشامل وتوفير الامن والأمان الداخلي.
ومن الجلي ان برنامج الوحدة الوطنية لن يكون برنامجاً لفصيل معين، وإذا كان من حق كل فصيل ان يحتفظ لنفسه ببرنامجه الخاص، فإن من واجب الجميع الالتزام بالقاسم الوطني المشترك الذي يحقق في آن واحد وحدة القرار وفعالية التحرك المشترك.
عضو المجلس التشريعي الفلسطيني