في كثير من الأحيان يحتاج الإنسان للعودة إلى الذاكرة، وربما تكون ذاكرة من نوع خاص، مع الأخذ بعين الاعتبار ان الذاكرة قد تخون الإنسان أحياناً، أو أنها تذهب به بعيداً عن الواقع، أو أنها قد تكون اختيارية في حد ذاتها، فمن المعلوم أن الإنسان ينأى بنفسه عن تلك الذكريات التي تسبب له الألم والحزن أو تلك التي تسبب له الخزي والعار أحياناً.
فهو يذهب دائماً نحو ما يسعده أو إلى المجرى المريح من ماضيه. إن الحياة البشرية ما هي إلا مجموعة من الجداول التي تشكل في نهاية المطاف نهراً عظيماً. قد يكون جالباً للسعادة أو ربما للدمار.
هذه هي الحياة، التي تشكل دائماً تحدياً لمن يرغب أن يكون له مكان في التاريخ. إلا أن الذي يقبل التحدي يكون دائماً مثاراً للنقاش بين مؤيد ومعارض في مناقشه ربما تبحث عن الحقيقة، وإثبات وجهة النظر هذه أو تلك، وهذه القيمة الاجتماعية أو تلك.
كانت هذه القاعدة العامة منذ انبعاث الفكر التنويري في أوروبا، وقبل ذلك في كثير من الحالات حين كانت البشرية تبحث عن حلول لأزمة الإنسان، وأزمة البحث عن طرق لإسعاده، ومن هنا برزت تيارات فكرية عديدة تحاول أن تبحث عن الحقيقة؟
وهي بداية لمرحلة الصراع الفكري بين مختلف الاتجاهات ومختلف المدارس الفكرية، الكل يحاول أن يضع آليات المنطق لإقناع القطاع الأوسع من البشرية بصحة رؤيته للحياة في سعي منه لتحقيق السعادة للإنسانية. فما من نظرية أو فكرة أو مذهب إلا وكان الإنسان على رأس الأولويات، وما من حركة في التاريخ أو حتى غزوة إلا وكان عنوانها سعادة الإنسان.
وكان المهم بالنسبة للإنسان أن يتبع الأسلوب السلمي والعلمي بعيداً عن مغريات السلطة لترسيخ الاتجاه الذي يؤمن به دون سواه. ولكن لم يكن هذا الأسلوب المسالم هو السائد غالباً فكم من مرة كان الإنسان ضحية ظلم من كانوا يعملون من أجل إسعاده.
لقد مر العالم بكثير من التجارب والمحاولات على مدى التاريخ، استخدم فيها القلم أحياناً والسيف أحياناً أخرى، وفي الكثير من الأحيان ساهمت النخبة الثقافية والسياسية والاقتصادية، في أدوار عديدة، إلا أن التاريخ لا يرحم من يقف في طريق تحقيق حلم الإنسان في الحياة الكريمة.
ومن هنا كان ذلك التاريخ يقف دائماً مع من يعمل من أجل تعايش الشعوب والأمم وصهر أحلامها في بوتقة الحرية والسلام والمساواة، وظلت البشرية تحفظ عن ظهر قلب مرحلة التسامح والعيش بسلام بين كل الديانات والشعوب في عصور النهضة العربية الإسلامية، تلك المرحلة التي سادت فيها العدالة والمساواة بين جميع أطياف البنية الاجتماعية والسياسية.
وفي المقابل يتذكر التاريخ بأسى تلك المراحل التي تم فيها قمع الأقليات، والاعتداء على حقوقها سواء في الجوانب الاجتماعية أو السياسية وبشكل واضح حقوقها الاقتصادية.
إن كتب التاريخ تتناول حالات كثيرة ذات علاقة بمفاصل هامة في حياة الأمم، سواء في الحاضر أو الماضي، إلا أن الإنسان المعاصر في ظل توافر المعلومات، يدرك أن البشرية تعيش بسلام في ظل قيادة متنورة تعمل على بناء حياة سعيدة، للإنسان.
وتحاول أن تجد له مكاناً في سفر التاريخ، أو أن يكون له وجود فاعل في سلم التطور والتقدم الإنساني. تلك التي تتحدث عن التعايش السلمي والدفاع عن حقوق الإنسان مهما كانت خلفياته العرقية أو الدينية ومهما كان انتماؤه الفكري.
في البداية كان ذلك الإنسان القادم من أرض التواصل والذي أكد على التعايش بسلام بين كافة الديانات والأمم، إنما على أسس إسعاد من يعيش على هذه الأرض، كان ذلك الإنسان هو المغفور له الشيخ سعيد آل مكتوم حاكم دبي، إنسان بسيط آمن بالسلم الاجتماعي في مجتمع بسيط في مدينة هي محط أنظار كل التجار والأمم.
كان يعمل من أجل بناء مدينة عصرية في مرحلة ما قبل النفط، عمل من أجل خلق مجتمع يعيش فيه الجميع بسلام، ولعل من أهم مآثره أنه ومنذ ثلاثينات القرن الماضي كان يبحث عن موضع لدبي على خريطة الاقتصاد العالمي، سلم الراية والرؤية لإنسان عصامي آمن بأن الحياة تتطلب المغامرة من أجل حياة أفضل، والبحث عن كل جديد في الحياة.
وكان ذلك القائد رائداً في الفكر التجاري والاقتصادي هو المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي آمن بأن الحياة هي التحدي والبحث عن الجديد، سواء في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
في تلك المرحلة برز قائد تاريخي مكمل للمسيرة هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والذي آمن بأن القيادة تعني العمل من أجل الجميع، وأن تحقيق الرفاهية الاقتصادية هي التحدي أمام العمل من أجل الجميع ولرفاهية المجتمع أو الخروج من التاريخ.
وكم كان جميلاً أن تلتقي الإرادتان وتمتزج العقلية التجارية والاقتصادية والسياسية ببعضها، ليبرز نموذج جديد، هو خلق اتحاد بين الماضي والمستقبل، بين مجتمع القبيلة والدولة، مما كان يؤكد على بروز مرحلة جديدة. من حياة المجتمع. مرحلة تبشر بالخير والمحبة والسعادة للجميع، تجمع بين مجتمع الاقتصاد الحديث والمجتمع التقليدي.
جيل جديد من القيادات السياسية والتي هي امتداد لمراحل تاريخية قديمة وحديثة تجمع بين عشرة أيام هزت العالم وعشر سنوات خلقت شعباً يعيش للمستقبل، عالم العولمة والتعايش السلمي بين كافة الديانات والأعراق والأمم والثقافات، إلا أن الهدف هو السلم وليس الصراع وهذا ما أكده أيضاً المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم.
إن قراءة (رؤيتي) لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تبين ان هنالك حلما يراوده منذ فترات طويلة، إلا ان ذلك الحلم أصبح حقيقة على أرض الواقع، فخلال العشر سنوات الماضية، نفذت العديد من المشروعات العملاقة في دبي.
وتنوعت مصادر الدخل وهي البداية نحو الخروج من الاعتماد على النفط، ومن هنا فإن ذلك التنوع في النشاطات الاقتصادية، ومنها على سبيل المثال السياحة، والتي لم يكن يخطر على بال أحد ان تكون الإمارات بشكل عام ودبي بشكل خاص، منطقة تجذب السياح من مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى الاتجاه نحو التعليم وغيره من النشاطات. ومن هنا فإن الرؤية، هي الحلم الذي تحقق على أرض الواقع، وهي البداية نحو مجتمع يعيش في القرن الحادي والعشرين.
والسؤال هو ما يريد أن يقوله صاحب الرؤية لمستقبل مجتمع جديد هو العالم في القرن الحادي والعشرين ذي الثقافة التي تجمع بين تجارب الشرق والغرب، بين كل التناقضات. بين عالم عشرة أيام هزت العالم.
وجعلت البشرية تعيش مرحلة صراع على مدى سبعة عقود، وبين عشر سنوات أسهمت في خلق عالم جديد، هو عالم متسامح ومتناسق بين كل الأطياف، عالم جديد يحتاج إلى آليات من نوع جديد. صنع صاحب الرؤية أهم خيوطها لينسج لإنسان الإمارات عالماً سيظل مثار إعجاب ودهشة العالم ربما لعشرات من العقود.
المطوع رئيس وحدة الدراسات ـ البيان
malmutawa@albayan.ae
