شهد العراق يوما آخر داميا بمجموعة من الانفجارات الانتحارية والمفخخة عن بعد، والتي حصدت حوالي 25 قتيلا من الشعب العراقي، إضافة إلى اكتشاف حوالي 40 جثة لمواطنين عراقييم قتلوا بطلقات في الرأس بعد تعرضهم للتعذيب، واكتمل المشهد المرعب بقيام مجموعة مسلحة بإيقاف باص جامعي وقتل أربعة طلاب بشكل عشوائي.

يبكي الشعب العراقي قتلاه يوميا، ويستمع إلى تصريحات ووعود وبيانات لا تسمن ولا تغني من جوع، ويجد هذا الشعب أنه اصبح وقودا لحرب طاحنة يغذيها التطرف الطائفي والتدخل الخارجي والتلاعب المستمر بمقدرات الشعب العراقي من قبل الطامعين بخيراته والراغبين في تدمير وحدته.

ربما تكون الاتهامات الأولية في هذه الأعمال توجه لمجموعات الإرهاب بقيادة تنظيم القاعدة والذي يتفاخر بما يفعله، وربما يتفاخر بما لا يقوم به أيضا بهدف الترويج وتضخيم دوره.

ولكن من المؤكد أن هناك مساهمين آخرين في تدهور الوضع الأمني في العراق، وأهمها الميليشيات الطائفية المنفلتة من كل عقال والتي تحركها غرائز التعصب ولا يضيرها ارتكاب أية عمليات قتل للأبرياء.

وهناك التدخلات الخارجية لقوى إقليمية لا تريد الخير ولا الاستقرار في العراق، وهي تدعم نشاطات العنف والفوضى لإبقاء التركيز العسكري محصورا على العراق.

ولا ننسى ايضا الدور الثابت والمتحول للاحتلال الأميركي في العراق، والذي كان السبب الرئيسي في هذه الفوضى، ويبدو أنه الآن يساهم بشكل مباشر في استمرارها، وقد كتب الصحافي البريطاني الشهير روبرت فيسك مقالة مهمة في صحيفة الإندبندنت مؤخرا، نقل فيها شهادات متواترة عن مجندين وعناصر في الشرطة العراقية، تم الطلب منهم تفجير سيارات مفخخة في مناطق للشرطة ومناطق للشيعة والسنة، بتنسيق مع جهات أميركية غير معروفة، وقد تكون تابعة للاستخبارات المركزية أو شركات الحماية العسكرية الخاصة التي تعيث فسادا في العراق.

يتعرض العراقيون الأبرياء للقتل والتفجير وأيضا الموضة الجديدة وهي مطالبة عائلات بكاملها بالرحيل عن منازلها، وإلا التعرض للقتل ضمن مخطط للتهجير الطائفي والسيطرة على مناطق ومدن وتجمعات سكانية حساسة، كما يتم استهداف الأكاديميين والمثقفين والعسكريين غير المحسوبين على الطوائف، ومنهم حوالي 50 طيارا سابقا في الجيش العراقي تم قتلهم في منازلهم في السنتين الماضيتين.

لقد حذر جلالة الملك عبدالله الثاني قبل يومين من خطورة السنتين القادمتين على المنطقة، وستكون الأحداث في العراق هي قلب هذا الخطر، وسوف يكون العراق والعالم العربي بحاجة إلى قادة سياسيين اقوياء في العراق، وقادرين على تجاوز التعصب الطائفي والعرقي وقيادة المؤسسات العراقية نحو استقرار وأمن وتنمية لكافة الشعب ومكونات الدولة العراقية، ولكن المشكلة أن التهديدات الخارجية والخارجية كبيرة، والقوى التي تريد العراق ضعيفا وممزقا ومشتتا تبدو الأكثر نجاحا حتى الآن في ضبط الساحة العراقية على إيقاع العنف، في ظل غياب قيادات عراقية تحمل نفوذا شعبيا وقدرة على التوحيد.

كل الشجون العراقية تدعو إلى التشاؤم، ولكن الأمل يبقى في ظهور نضوج سياسي يخرج بالعراق من دائرة الطائفية والتمزق، الذي يشجعه بعض السياسيين العراقيين إلى واحة من الأمن والوحدة، وحتى يحصل هذا الاختراق، تبقى قلوبنا تتمزق من متابعة كل هذا الدمار الذي يتعرض له الشعب العراقي الشقيق.