لم يكن اختيار رئيس جديد للحكومة العراقية خلفاً للجعفري سوى خطوة واحدة في مسيرة مواجهة مرحلة صعبة في تاريخ العراق، لعل أبرز تحدياتها وأخطرها هو التقسيم المحتمل ـ خاصة بعد أن بدأت بعض الأوساط الأمريكية تطرح هذا الأمر علانية ـ، والهاجس الأمني الذي يعتبر الهاجس الأول لدى المواطنين العراقيين على اختلاف أطيافهم ومذاهبهم. ولذلك فإن على رئيس الحكومة الجديد أن يضع نصب عينيه ـ وهو يشكل وزارته ـ ضرورة مواجهة هذه التحديات بشكل يتلاءم مع خطورتها وأبعادها.
من هنا فإن أول مهام رئيس الوزراء المكلف تشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية قادرة على كسب رضا الشارع العراقي وثقته. إن مثل هذه الحكومة هي الوحيدة التي ستحظى بتعاون الفصائل العراقية المختلفة لتجاوز جميع التحديات الأخرى، وبدون تعاون الشعب العراقي بالكامل، لا يمكن الحفاظ على وحدة العراق واستقراره وأمنه. ولا يكفي في هذا المجال الحديث عن تعيين وزير داخلية ووزير دفاع مستقلين لتفادي تجاوزات المرحلة السابقة.
فوجود رجل مستقل على رأس مؤسسة يعشش الفساد والطائفية في أجهزتها لا يمكن أن يضمن استقلالية هذه المؤسسة ونزاهتها. لذلك يجب إعادة النظر في جميع قيادات الأجهزة الرسمية الحساسة والحيوية وتعيين رجال أكفاء قادرين على النهوض بمسؤوليات ومتطلبات المرحلة دون النظر إلى المحاصصة الطائفية التي قد توصل البلاد إلى هاوية التجزئة والشرذمة.
وما أن يتم تشكيل الحكومة، يجب عليها وبشكل عاجل إيجاد حل للفلتان الأمني في الشارع العراقي، ولمشاهد عشرات الجثث التي يتم العثور عليها يومياً في شوارع بغداد وحولها بعد أن تعرض أصحابها للتعذيب. هذه الجرائم تقف وراءها ميليشيات مأجورة مدعومة ـ مع الأسف ـ من بعض الجهات الرسمية، تسعى إلى تجذير الطائفية وخلق مناطق "نظيفة" من المفهوم الطائفي. لذلك يجب حل هذه الميليشيات وإيجاد وظائف مدنية لاستيعابهم بعيداً عن المؤسسة العسكرية والأمنية لضمان عدم تحولهما إلى مؤسسات طائفية بالكامل.
ولا يكفي حل الميليشيات "الرسمية" لضمان الأمن، بل يجب أيضاً مواصلة الحوار الجاد مع فصائل المقاومة العراقية والاستماع إلى مطالبها وتنفيذ ما هو مشروع منها وصولاً إلى دمج قياداتها في العملية السياسية للبلد. فهناك من بين فصائل المقاومة مثلاً من كان منتمياً إلى الجيش العراقي السابق الذي أدى القرار المفاجئ والخاطئ بحله إلى إبقاء 750 ألف عسكري في الشارع دون دخل ولا مورد يرد غائلة الجوع عن أسرهم. حتى عندما تم تشكيل الجيش الجديد والمؤسسات الأمنية المساندة له، فإنه لم يستوعب سوى 300 ألف عنصر فقط، أي إن هناك حوالي نصف مليون عسكري عراقي سابق لا يزالون بلا عمل، ووراءهم أكثر من مليونين من النساء والأطفال الذين يعيلونهم. هذا جزء واحد ومثال من طيف واحد من المقاومة العراقية، وهناك أطياف أخرى لديها مطالب مشروعة أيضاً.
إن الانقسام الطائفي في المجتمعات أمر طبيعي، لكن تحوله إلى صراع طائفي مسلح أمر تفوق خطورته الاحتلال نفسه. فالاحتلال حالة استثنائية عابرة، أما الصراع الطائفي فلن يجر إلا الويلات وقد يؤدي إلى شرذمة البلد إلى دويلات لا تخدم إلا مصالح الاحتلال بعد رحيله.
إن تحديات المرحلة كبيرة، ولذلك على الحكومة العراقية القادمة أن تتحلى بقدرة على تحدي هذه المرحلة والوصول بالعراق إلى شاطئ الأمان والوحدة.