يعيش المثقف العربي الحقيقي مأساة كبيرة تلازمه آناء الليل وأطراف النهار، فمن ناحية يستشعر هذا المثقف عظم الدور المنوط به، فهو طليعة هذه الأمة، أملها في التغيير، منبع الأفكار الجديدة والطروحات التقدمية.

كما أن هذا المثقف يستشعر ذاته أيضا، يستشعر قيمته التي تتجاوز في أهميتها الكثيرين في المجتمع، بمن فيهم هؤلاء الممسكون بحبال السلطة والقابضون عليها؛ المثقف باختصار هو الحلم واليوتوبيا، هو التغيير والتجديد، هو الحاضر والمستقبل، هو بدون تجاوز أو مبالغة أمل هذه الأمة، وغدها المنشود.

ومن ناحية أخرى، يستشعر هذا المثقف حجم القيود المفروضة عليه، ومحدودية الحركة المسموح له بها. يحاول المثقف أن يغير العالم ويمنح البشر نار الدفء والأمان مثلما فعل بروميثيوس في الأسطورة اليونانية.

لكنه يُواجه بعقاب السلطة له، عقاب زيوس الذي يكبله ويقيده ويعذبه. عقاب السلطة المتواصل له، وإحساسه أنه أحد نتاجاتها، مشدود إليها، يأكل من فضل عطاءاتها، ويكتسب مكانته من خلالها.

ماذا يفعل المثقف من أجل أن يتجاوز هذه الوضعية المتناقضة؟ أو بشكل أكثر تحديدا، ونظرا لضعف المثقف العربي إزاء السلطة في العالم العربي، ماذا تفعل به السلطة ؟

وحتى لا نحط من قيمة المثقف بشكل قد يصدم الكثيرين، وحتى لا نوصمه بالتبعية التامة للسلطة، لنطرح التساؤل بشكل يليق بقيمة مثقفنا العربي، ماذا يفعل كلاهما، أي المثقف والسلطة ببعضهما البعض؟

تعلم السلطة في العالم العربي بأن المثقف، بشكل عام، في حاجة ماسة إليها ماديا ومعنويا، لذلك فهي تُغدق عليه العطاء بأشكاله المادية المختلفة، تنعم عليه بالمناصب، تتركه يكتب ما يشاء في حدود الإطار المرسوم له، وتُلمع به أجهزتها الإعلامية، وتُظهر صوره عبر شاشاتها الفضية.

يصبح المثقف نجما من خلال إعلام السلطة ذاتها، لدرجة أنه في أحيان كثيرة تنمحي المسافة بينه وبين نجوم ونجمات السينما. لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يصل إلى أن تفوض السلطة أيضا هذا المثقف ليصبح واجهتها محليا وإقليميا وعالميا، وأي شرف تمنحه السلطة للمثقف أكثر من ذلك؛ أن يصير صوتها المتحدث باسمها أمام العالم الداخلي والخارجي على السواء.

تعلم السلطة أن هذا المثقف قلق ومثير للمشكلات، لا يهدأ ولا يكل. فطموحاته ليس لها حدود، وأحلامه تخرق السماء، كما أنه يمتلك ذاتا متضخمة بشكل كبير. لذلك فالسلطة ذاتها تتركه يكتب هنا وهناك، يعلق على ما يريد، يستخدم ألفاظه ومفاهيمه التفسيرية والتأويلية والتحليلية في إطار بعض القضايا التي تسمح له بها.

وبقدر ما يكتب المثقف ويعلق وينقد تزداد الأطر التي تحددها له السلطة السياسية، فالعلاقة طردية فيما بينهما؛ كلما زادت الكتابة كلما زادت القيود التي يفرضها المثقف على نفسه وعلى مشروعه وعلى طموحاته وعلى أحلامه.

وكما تفرض السلطة الكثير من القيود على المثقف، تتركه أيضا يستدمجها داخل ذاته ويفرضها على نفسه. وسواء وعى هو بذلك أو لم يع، فإنه يقيم من نفسه رقيبا ذاتيا على كل ما يكتب، يشطب هذا ويلغي ذاك، ويخفف من تأثير كلمة هنا وأخرى هناك، يراعي الوقت والمناسبة ودرجة القبول.

وحتى لا يضج المثقف بالانفجار من جراء رقابة السلطة من ناحية، ومن ذاته التي تراقبه ليل نهار من ناحية أخرى، فإنه يجر نفسه بنفسه لمعارك يفتعلها، يدغدغ بها مشاعره وأحلامه ومقولاته الوطنية الكبرى.

يحتاج المثقف بين فترة وأخرى إلى مثل هذا النوع من المعارك حتى لا يموت كمداً أو ينسحب تماما من الساحة، إنه بحاجة لجرعات افتعالية تعيد له اتساقه النفسي، وتفسر له عمق وضرورة علاقاته بالسلطة، التي تصبح في هذه الحالة هي الوطن.

أخطر ما يصيب المثقف العربي المعاصر أن تتساوى السلطة والوطن عنده، أو أن تنمحي المسافة فيما بينهما، فتتحول السلطة إلى الوطن الذي يمنح ويمنع،.

كما يتحول الوطن ذاته إلى كيان سلطوي لابد من احترامه وتقديره والعمل بما يأمر به وينهي. وفي كلتا الحالتين، تضيع القضايا الكبرى، وتتجذر السلطة في الوطن، ويزداد بحث المثقف عن قضايا جزئية يمسك بها بأسنانه معتقدا أو واهما بأنها القضايا المصيرية لحاضره ومستقبله.

وكلما كانت هذه القضايا مرتبطة بمفاهيم كبرى مثل الهوية والعروبة والوطن والأمة والكرامة، كلما وجد المثقف ضالته المنشودة التي لن يستطيع أحد أن ينازعه أو يجادله بخصوصها، بما في ذلك السلطة نفسها راعية الهوية والعروبة والوطن والأمة والكرامة... الخ من سلة هذه المفاهيم التي لا يمكن حصرها.

وكلما زاد هذا الارتباط بين المثقف وتلك القضايا الجزئية، ازداد شوفينية وانغلاقا، وربما ادعاءً. فالكثير من المثقفين الذين يتناولون هذه القضايا الجزئية يتغاضون عن الكثير من القضايا الجوهرية التي تواجه أوطانهم.

والذين لا يستطيعون تناولها أو التعامل معها بمثل هذه الميوعة التي يتم تناول الهوية والعروبة وغيرها من تلك القضايا التي أصبحت مثل العلكة في الفم ليس لها قوام أو شكل. لا يعني ذلك أننا نقلل من أهمية هذه القضايا لكننا نخشى من أن تتحول إلى مجرد أبواق يعلن من خلالها المثقف عن وجوده ضمن الساحة الفكرية.

كما أنه من الملاحظ الآن، وفي سياق هذا الاشتباك المأساة بين المثقف والسلطة، وجود نوعية من المثقفين لا هم لهم سوى مناقشة الكثير من القضايا التي تتعلق ببلدان عربية أخرى غير بلدانهم.

وخطورة هذا النوع من المثقفين أنهم يقومون بترحيل قضايا بلدانهم إلى بلدان أخرى، إما رغبة في تصفية حسابات من نوع ما مع هذه البلدان، وإما رغبة في الحفاظ على تلك العلاقة القائمة بينهم وبين السلطة.

وفي كلتا الحالتين يظل الوطن مبهجا ورائعا وبعيدا عن دائرة النقد والتناول والتحليل، كما تزداد العلاقة القائمة بين هذا المثقف والسلطة التي وضعته ضمن إطار محدد له، لا يستطيع أن يتجاوزه، وإن كان يستطيع أن يكتب من خلاله. وكلما أوجعته تلك العلاقة بآثارها النفسية المخيفة، كلما أكد لنفسه أنه يكتب من أجل الوطن الذي يحبه ويفتديه بكل غال ونفيس.

ستظل مأساة المثقف العربي مستمرة وملازمة له لفترات طويلة، إلى أن يمتلك القدرة على التمييز بين نوعية القضايا التي يتناولها، وإلى ألا تجرفه مثل هذه المفاهيم الكبرى التي تخدعه بها السلطة، وتجره من خلالها إلى محراب الشوفينية الضيق والبغيض، وإلى شرنقة الادعاءات الوهمية.

salehabdelazim@hotmail.com

كاتب مصري