الاستراتيجية الدولية الخاصة بمكافحة الإرهاب، التي طرحتها الأمم المتحدة خطوة مطلوبة وواعدة. مطلوبة لأنها توفر الصيغة الملائمة للتعامل مع هذه الآفة. الإرهاب صار مشكلة دولية. العالم كله ساحته.

وعليه فإن مواجهته لا بد وأن تكون من العيار ذاته: دولية. ومن هو أولى بهذه الصفة واستطراداً بهذا الدور، من الأمم المتحدة فهي الهيئة المؤتمنة على الأمن والسلم الدوليين؟!

وواعدة، لأن المنظمة الدولية هي الوعاء المؤهل لتحقيق الإجماع حول معضلة تخص الجميع، كما انها الجهة الأكثر صدقية ـ في ظل توافق وازن ـ للضلوع بهذا الدور، طابعها الدولي يعطيها المشروعية اللازمة.

وقدراتها الجماعية تؤمِّن لهذه الاستراتيجية عوامل الفاعلية والنجاح. من هنا فإن إطلاق مثل هذه الحملة الدولية، هو بمثابة عودة بالملف إلى الجهة الصالحة لإدارته وتولِّي شؤونه.

بيد أن هذا التوجه بقدر ما هو سليم في الإطار، بقدر ما هو مشوب بنواقص كفيلة بإجهاضه، في التطبيق. أو بالأحرى كفيلة بتركه حبراً على ورق من غير تطبيق. فالأمين العام كوفي عنان كشف في تقرير من 32 صفحة، عمَّا سماه باستراتيجية وضعتها الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب.

أهميتها، كما أشار، إلى أنها «تستجيب للمطالب التي تقدم بها رؤساء الدول والحكومات» خلال القمة العالمية التي انعقدت في سبتمبر الماضي في نيويورك، في هذا الخصوص. وخلال عرضه لمعالم هذه الخطة، أشار الأمين العام إلى ضرورة «إبرام الدول الأعضاء وفي أقرب وقت ممكن، اتفاقية شاملة حول الإرهاب الدولي»!

والمعروف أن الدبلوماسية الدولية عاكفة منذ تسع سنوات على العمل للوصول إلى توافق حول مشروع في هذا الصدد. لكن المحاولة كانت ولا تزال متعثرة. السبب: الخلافات العميقة بين الدول الأعضاء على تعريف أو تحديد للإرهاب.

جوهر الخلاف يتمحور حول التمييز بين الإرهاب وبين العمل المقاوم للاحتلال. الولايات المتحدة لا تقبل بمثل هذا التمايز. وهنا تطل الأصابع الإسرائيلية المدمرة لكل المساعي التي بذلت لوضع تعريف واضح حاسم للإرهاب. ومن دون حسم المعيار للإرهاب، لا يستقيم الحديث عن استراتيجية لمكافحته.

مشروع الأمم المتحدة يقفز فوق هذا الشرط الأساسي. الأمين العام يقول إن «فقدان التقدم بشأن إجماع على اتفاقية ـ وذلك بسبب تعذُّر الإجماع على التعريف ـ ليس سبباً لعدم التفاهم حول استراتيجية». طبعاً لا مانع من ذلك ، لكن هذه الأخيرة تبقى معطَّلة عملياً، لأن تطبيقها محكوم بالاصطدام بالخلافات حول ما هو إرهاب وما هو مقاومة.

كذلك يدعو عنان إلى إقامة «منتدى عالمي لمكافحة الإرهاب البيولوجي»، على أساس أن المعاهدات الراهنة في هذا المجال ضعيفة والمبادرات مشتتة صحيح. لكنه أيضاً طرح منقوص. فالعلّة أصلاً موجودة في وجود هذا السلاح ذاته.

ومعروف من يملكه ويكدِّسه في ترسانته. ولا بد أن تبدأ المكافحة ضد هذا السلاح، من توجيه الاصبع إلى مخازنه والمطالبة بوجوب إفراغها من هذا السمّ الذي يهدد الإنسانية. والأمين العام يعرف أكثر من غيره. لكن «العين بصيرة واليد قصيرة».

استراتيجية الأمم المتحدة التي كشف عنها أمينها العام طموحة وجريئة، لجهة أنها تستعيد المبادرة في هذه الملفات الخطيرة على الأمن والسلم العالميين. لكنها خجولة كونها لا تضع الاصبع على كل مواطن الجرح. فقط تؤشر إليه. وهذا لا يكفي، لكنها بداية من الضروري احتضانها للبناء عليها.