بينما كان محمود درويش يحمل النسيم المرتحل إلى الوطن رسالة تقول:

نم يا حبيبي ساعة

لنمر من أحلامك الأولى إلى عطش البحار

نم يا حبيبي ساعة

حتى يعود الروم.. حتى نطرد الحراس عن أسوار قلعتنا

بينما كان شاعر المقاومة ينشد الوجع العربي والحلم العربي.. كان إيفو موراليس يقف في هافانا أمام ضريح إرنستو تشي جيفارا ويقدم له أعذب اعتذار على دمه الذي أريق قبل أربعين عاما، حين تآمرت قوى الظلام وخفافيش السي آي إيه وقتلت الثائر الأممي في الجانب البوليفي من سلسلة جبال الأنديز، ويقول:

نم يا صديقي قرير العين، فها نحن قد نأتيك من تلك الجبال ذاتها لنقدم لك أوراق اعتمادنا في حضرة سيمون بوليفار على طريق تجسيد حلمنا الكبير في توحيد بلدان أميركا اللاتينية.

اليوم وبعد أربعين عاما ونيف مرت على استشهاد جيفارا في الأدغال البوليفية ، ها هي أميركا تنتصر لنفسها ولحلم ثائرها الأسطوري ومحررها التاريخي وتتقدم خطوة إستراتيجية بالاتجاه الصحيح نحو تحقيق وحدتها وتكاملها الإقليميين في كافة الميادين الحيوية في حياة شعوبها، التي تبتعد تدريجيا عن أوهام الاستقلال الصوري وتقترب بخطى ثابتة وواثقة من الاستقلال الحقيقي، رافضة منطق الهيمنة الامبريالية الذي تمارسه الولايات المتحدة عليها.

وما لم يتمكن تشي جيفارا من أن يكحل عينيه برؤيته واقعا ملموسا يسر الصديق ويغيظ العدا، ها هو يتحقق في مماته، مع فارق وحيد يتعلق بمسألة أداة المشروع الثوري الذي بذل حياته في سبيل تحقيقه.. هذا الفارق يكمن في أن فكر الثائر الراحل استند إلى منطق الحق والبندقية، بينما تستند الخطوات التقدمية التي تشهدها أميركا اللاتينية في الأعوام الأخيرة إلى منطق الحق وصندوق الاقتراع ، فلقد وصلت قوى اليسار في أحد عشر بلدا من بلدان نصف الكرة حتى هذه اللحظة والحبل على الجرار طبعا.

كما جاءت اتفاقية البديل البوليفاري، التي وقعها في هافانا أخيرا كل من الرئيس الكوبي فيدل كاسترو والفنزويلي هوغو شافيز والبوليفي إيفو موراليس، لتعزز هذه المسيرة الديمقراطية- الوحدوية ولتمثل خطوة يحتذى بها ونواة بديلة في وجه الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة لإبقاء هذه المنطقة من العالم تدور فلكها، عن طريق ربطها باتفاقات التجارة الحرة سيئة الصيت.

وبذلك تكون «جمهوريات الموز» قد أدارت ظهرها للطاغوت القابع في الشمال، الذي لطالما اعتبرها بمثابة فنائه الخلفي المضمون على طول الخط والذي لا يحق له أن ينظر إلى الأمور إلا من منظور سيده ولا يستطيع أن يحرك ساكنا دون مشورة عرابه الوصي على أمره، لكن هذا السياسة لم تعد تجد نفعا أو تنطلي على أحد وبالتالي كان لا بد من ظهور قوى جديدة ترعى نموذجاً جديداً يصب في مصلحة شعوب تلك الجمهوريات ويحول دون استمرار عملية النهب المنظم التي تمارسها الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ أن وطأ الرجل أرض القارة الجدية لأول مرة.

الاتفاقية الموقعة في العاصمة الكوبية إنما تعكس مرحلة جديدة بكل المقاييس في تاريخ الأميركتين، لكن الكلام هنا لا يدور عن ماض تليد ولا عن المجازر والمظالم التي تعرض لها الهنود الحمر على يد الرجل الأبيض الجشع والمتوحش والمتعطش لبريق المعدن الأصفر، بل عن حاضر ومستقبل وتوجهات واستراتيجيات تعكس واقعا مريرا وقاسيا ينم عن رغبة جامحة في الانتقال بالبلاد والعباد من موقع الدفاع السلبي إلى موقع الهجوم الإيجابي، إذ يؤكد شافيز، على سبيل المثال، أن هذا الحلف الثلاثي يتحرك في إطار خطط اقتصادية خاصة ويقول« إن هذا الاحتفال الذي تشهده هافانا اليوم إنما هو جزء من خطة للهجوم».

كما قام الرئيس الفنزويلي بتذكير من شهدوا حفل توقيع اتفاقية البديل البوليفاري في هافانا بأن نظيره البوليفي كان في حفل مماثل جرى العام الماضي مجرد زعيم من المعارضة البوليفية بينما يحضر هذا العام كرئيس متوج بقوة الديمقراطية. وفي بادرة تنم عن إرادة قوية لمواصلة مسيرة الوحدة اللاتينية، أضاف شافيز، موجها كلامه هذه المرة لمرشح الرئاسة النيكاراغوي عن الجبهة الساندينية دانييل أورتيغا، الذي كان جالسا مع الرؤساء الثلاثة أثناء القمة، قائلا: «اسمع يا دانييل، إننا ندعوك للعام المقبل كي تأتي إلى هنا بصفتك رئيس نيكاراغوا».

أما إذا أضيفت هذه المبادرة الوحدوية إلى ما حدث في عيد العمال العالمي، في الأول من مايو الجاري، حين هبت جموع الجاليات المتحدرة من بلدان أميركا اللاتينية، البالغ عددها نحو 42 مليون نسمة في الولايات المتحدة ، ولبت الدعوة للاضطراب عن العمل ومقاطعة المنتجات الأميركية، فإنه يمكن القول إن مصير الدولة العظمى الوحيدة في العالم بات على كف عفريت وإن المسمار الأول قد دق في نعش جبروتها وإنها لن تتمكن من اقتلاعه أبدا.