لن تتوانى الولايات المتحدة الأميركية في ضرب إيران إن كان الثمن الاستراتيجي المترتب على المواجهة العسكرية أقل بكثير من نظيره الناتج عن ترك طهران مدة أخرى قد تصل فيها إلى سلاح نووي.

وإذا كانت لدى إيران أوراق عدة، تضغط بها على واشنطن، وتشكل رادعا لها يغل يدها من أن تُطلق ضد طهران فتفعل بها ما تشاء، فإن هذه الأوراق قد لا تشكل عند لحظة معينة حائلا من دون ارتكاب واشنطن حماقة عسكرية إن شعرت أن مصالحها في المنطقة ستقع تحت تهديد دائم، أو أنها ستكون مجبرة على تقديم «تنازلات» موجعة للإيرانيين، على حساب الأمن القومي للولايات المتحدة، وحليفتها المدللة، إسرائيل.

نعم تمتلك إيران أوراقا لا يمكن تجاهل قوتها، ومنها إمكانية خنق الجيش الأميركي أكثر في العراق عن طريق تهييج قطاع عريض من الشيعة ضده ومساعدة الجماعات والتنظيمات المسلحة التي تنازل الأميركان على أرض الرافدين، وامتلاك صواريخ طويلة المدى بمقدورها أن تضرب أي مكان في إسرائيل، وأخرى بوسعها أن تهاجم القواعد والمصالح الأميركية في منطقة الخليج وأفغانستان وأذربيجان، علاوة على ما سيحدثه خروج إيران من سوق النفط الدولية.

ولو لأيام معدودات، من ارتفاع أسعاره بشكل جنوني، يرهق كاهل ميزانيات الدول الكبرى المستهلكة للطاقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة نفسها.

لكن هذه الأوراق تحمل في الوقت نفسه بذور إضعافها. فمنع ضخ النفط أو ضرب السفن العملاقة المحملة به أثناء مرورها بمضيق هرمز، من المحتمل أن يؤلب على إيران دولا أخرى، قد تنضم للولايات المتحدة من أجل حسم الحرب سريعا، وإجبار الإيرانيين على مواصلة بيع نفطهم.

وضرب القواعد الأميركية على الجانب الغربي الآخر من الخليج سيضر بالدول العربية المشاطئة له، وبالتالي قد تجد بعضها نفسها مجبرة على مساعدة الولايات المتحدة في حربها، على غرار ما جرى حين اجتاحت جيوش صدام حسين الكويت في أغسطس من عام 1990، وقد تقوم بعض هذه الدول، خاصة المملكة العربية السعودية، بتعويض النقص الناجم عن توقف تدفق النفط الإيراني، بما يلجم الأسعار.

أما تثوير الشيعة العراقيين فقد يؤدي إلى انقسامهم على أنفسهم تماما بين موالين لطهران، مندرجين في خطتها الحربية الواسعة، وبين منحازين إلى مصلحة العراق الوطنية، والتي يرى بعض القادة العراقيين الحاليين أنها ستتحقق باستمرار الاحتلال الأميركي للعراق إلى حين، لمنع وقوع حرب أهلية، أو لمساندة فصيل من النخبة على حساب الآخر، يريد أن يحتفظ بسدة الحكم في البلاد، حتى لو كلفه هذا تعاون كامل مع واشنطن في حرب محتملة ضد طهران.

في الوقت نفسه فإن مساعدة الجماعات المسلحة، أمر غير مأمون العواقب، إذ إن هؤلاء قد يشكلون خطرا على إيران نفسها في مرحلة لاحقة، كما أن الورقة الطائفية نفسها يمكن أن ترتد على طهران إن نفخت الولايات المتحدة في أوصال عرب الأهواز والأذر، فألبتهم على الأغلبية الفارسية. والضغط على الولايات المتحدة بضرب إسرائيل أثناء المعركة، قد يؤدي إلى دخول تل أبيب المعركة مباشرة، ما قد يدفع المنطقة بأسرها إلى حرب جديدة.

وهذا التعقيد الشديد هو الذي يجعل إيران تبدي حتى في ذروة تحديها للولايات المتحدة وإصرارها على المضي قدما في برنامج تخصيب اليورانيوم استعدادها للتعاون والحوار شريطة أن يبقى ملفها النووي بين أيدي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وليس بيد مجلس الأمن الدولي، وهو كذلك الذي يجعل الولايات المتحدة، رغم تهديدها على لسان كوندوليزا رايس باللجوء إلى إجراءات خارج الشرعية الدولية ضد إيران، تضبط أعصابها، حتى هذه اللحظة.

فإيران تدرك أن الحرب، وإن قصرت مدتها وتدنى مستوى السلاح المستخدم فيها، ستصيبها بضرر بالغ اقتصاديا واجتماعيا واستراتيجيا، بل قد تنال من برنامجها النووي ذاته، الذي سيصبح الهدف الأساسي للمعركة. والولايات المتحدة تدرك أن إيران قوة إقليمية لا يستهان بها، ولديها من الأسلحة التقليدية والأوراق الاستراتيجية والعلاقات الدولية ما يجعل قرار ضربها أمرا صعبا، والحرب ضدها ليست نزهة بأي حال من الأحوال.

د. عمار علي حسن