في خضم النقاش المحتدم حول الهجرة غير الشرعية إلى أراضي الولايات المتحدة، تكشف لنا المصطلحات التي يستخدمها هؤلاء الذين يرون أن قضية الحدود التي يسهل بشدة اختراقها، ليست بالقضية الخطيرة التي تستدعي النقاش، الكثير من الأمور.
هناك ما يتراوح بين 8 ملايين و15 مليون مواطن من المكسيك وأميركا اللاتينية يعيشون في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني. وهؤلاء الذين يريدون عمالة رخيصة أو دخولاً غير مقيد إلى الولايات المتحدة لتوفير عدد أكبر من مثل هؤلاء العمال يحاولون إخفاء الخطورة الكبيرة التي لا يمكن تصورها للمشكلة وذلك عن طريق توصيف القضية بشكل ملطف يُخفي خطورتها أو عن طريق إلحاق الشتائم بخصومهم.
على سبيل المثال يأتي مصطلح «العامل غير الموثق» كمرادف صحيح من الناحية السياسية لـ «المهاجر غير القانوني» الذي يدخل البلاد. ويعني هذا المصطلح أن هؤلاء الذين يعبرون الحدود من دون الحصول على الوثائق الصحيحة لم يخرقوا القانون ولا يختلفون بأي شكل من الأشكال في وضعهم عن المواطن الأميركي العادي.
غير أنه في الواقع مصطلح غير دقيق. فليس كل هؤلاء الذين دخلوا البلاد بشكل غير شرعي يعملون. ومعظمهم لم يكن لديه في أي وقت من الأوقات وثائق هجرة أو تقدم في يوم ما بطلب من أجل الحصول على أي وثائق سليمة.
بعبارة أخرى، هناك بالفعل ملايين موجودون هنا في أميركا بشكل غير قانوني. هؤلاء ليسوا قادمين من كوكب آخر ولكنهم غرباء بالمعنى الحرفي للكلمة؛ فببساطة يمكن القول إن هؤلاء غير مقيمين بشكل قانوني داخل الدولة.
كما أن مصطلح «عمال ضيوف» ليس هو الآخر مصطلحا صحيحا وإنما يهدف في استخدامه إلى التخفيف من خطورة الأمر بتعبير ملطف. فأياً كان الأمر، من النادر للغاية أن يُطلب من الشركة المدعوة أن تغسل أطباق مضيفيها.
مصطلح «عامل مستورد» أو «عامل متعاقد» سيكون أكثر دقة. وأفضل بكثير من مصطلح «عامل ضيف». فمثل تلك المصطلحات توضح الطبيعة التجارية للمسألة. بل إن هناك ما هو أكثر دقة وهو مصطلح «عامل مستورد رخيص», وذلك من أجل الأخذ في الاعتبار مسألة الأجر والدور الذي تلعبه في هذا الصدد.
هؤلاء الذين يعترضون على تعزيز الحدود يميلون إلى القول إن بناء سور سيكون أمراً شبيهاً بوضع سور برلين. الصورة غير الدقيقة التي يلمح إليها ذلك القول تكفي لزرع الخوف في النفوس وتصورنا وكأننا من أمثال ستالين في الحرب الباردة، وكأننا أناس ينصبون المدافع على أبراجهم الدفاعية.
وعندما يريد هؤلاء الذين يعارضون عملية تعزيز الحدود مهاجمة خصومهم فإنهم يستخدمون مصطلح «المعادين للمهاجرين» ولا يستخدمون أبدا مصطلح «المعادين للمهاجرين غير القانونيين». إن معظم الأميركيين لا يعارضون وجود الملايين ممن دخلوا البلاد بشكل قانوني. ولكن هؤلاء الذين يستفيدون من الهجرة غير الشرعية يحاولون خلط الأوراق بين الهجرة الشرعية وغير الشرعية.
كما ينبغي الانتباه إلى تفضيلهم لمصطلح «معاداة المهاجرين» على مصطلح «معاداة الهجرة», وذلك لأن المصطلح الأول يضفي طابعاً شخصياً على المسألة ويعطي انطباعا بأن خصومهم يعادون أشخاصا ولا يعادون سياسات معوجة.
والأسوأ من ذلك هو أن هؤلاء ينكرون المشكلات الخطيرة التي تنطوي عليها الهجرة غير الشرعية ويستخدمون مصطلحات مثل «أهلي» ضد خصومهم، وبذلك يريدون تصوير خصومهم وكأنهم معادون للأجانب وليسوا باعتبارهم أناسا مهتمين بتكريس قوة القانون كما هي الحقيقة.
وعلى الرغم من ذلك فإن مصطلح «أهلي»، الذي يعني كون الفرد يفضل مصالح السكان الأصليين للبلاد على مصالح المهاجرين، هذا المصطلح ليس إهانة، وذلك لأن عدد المهاجرين غير الشرعيين والشرعيين في الولايات المتحدة الأميركية (والذين يُقدر عددهم ب30 مليوناً أي نحو 10% من تعداد الشعب)، هذا العدد يفوق مثيله في أي مرحلة سابقة من التاريخ الأميركي.
كما تثار أحيانا كلمة أكثر فظاظة أثناء ذلك النقاش حول الهجرة، ألا وهي كلمة «عنصري». فيقال إن «أميركا البيضاء» تخشى سراً «غزواً بنياً». غير أن القلق من فقدان السيطرة على الحدود هو أمر يتملك الأميركيين من كل الأطياف والأعراق، بمن فيهم الأميركيون من أصل إسباني. ومعظم الأميركيين من أصل أفريقي ومن أصل آسيوي يعارضون الهجرة غير الشرعية وذلك لعدة أسباب، منها تقليص الأجور الخاصة بالأميركيين الذين في الأصل يتقاضون أجوراً زهيدة.
ولا ريب أنه لو كان هناك ألف مهاجر صيني غير شرعي يصلون على متن قوارب كل يوم إلى ساحل كاليفورنيا، لأقدم كثير من الذين يعارضوننا اليوم على دعوة خفر السواحل إلى حماية هذه السواحل.
أميز المصطلحات التي يستخدمها بعض المتطرفين الأميركيين من أصل إسباني هو مصطلح «لا رازا»، وهو ما يعني «العرق». هذا المصطلح، من الناحية اللغوية، هو مصطلح عنصري يُصنف مجموعة معينة من البشر ليس بحسب أصلها أو لغتها أو دينها وإنما بحسب انتمائها العرقي. ولا تزال هناك هيئة تُدعى «المجلس الوطني للأعراق» موجودة في المجتمع الأميركي.
ما الذي يمكن أن يفسر هذا التشوه الموجود في اللغة؟ ببساطة السياسة. فهؤلاء الذين يسمحون بوجود تسيب وعدم سيطرة على الحدود يستخدمون مثل تلك النعوت المشوشة والغامضة مثل «ضيف» و«غير موثق», والتي بدورها لا تصف بدقة وضع ملايين الغرباء الذين يدخلون البلاد بشكل غير قانوني، وهي الحقيقة التي يعارضها الغالبية العظمى من الأميركيين.
وبالمنطق المغلوط ذاته فإن الذين يعربون عن مخاوفهم الشرعية من جراء تلك الهجرة يُنعتون ب«الأهليين» أو «العنصريين» من أجل أن يُمنع سماع صوتهم الذي غالبا ما يكون مقنعا. فليتم تغيير اللغة وقد يلي ذلك حدوث تغيير سياسي.
آن الأوان أن يستخدم دعاة الحدود المفتوحة مصطلحات أمينة ودقيقة ويناقشوا المشكلة كقضية قانونية بعيدا عن العنصرية.
خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ«البيان»: