«الجائزة كبيرة، والفشل كارثة وطنية وقومية .. لذا سنعدو مع العدائين كلهم عندما تشرق الشمس في الصباح، ثم سنعدو مع العدائين كلهم عندما تغرب كل مساء، لكننا لسنا في السباق لكي نعدو فقط .. بل نريد الفوز ..».
محمد بن راشد آل مكتوم
بين الفطرة والتجربة، حالة من الوعي للواقع المحيط بالمرء .. وعي لفهم الحقائق، قراءتها بسهولة، لأن الفطرة أساساً تعني التماهي في البيئة وأشيائها، في الحقيقة الواضحة التي تؤطر للعلاقة بين المخلوق وخالقه، لذلك، كان القدماء يستشرفون الأمور بفطرتهم، بدءاً من أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، الذي قادته الفطرة إلى الإيمان المطلق، من النجم إلى القمر إلى الشمس، حتى توصل إلى معرفة الخالق سبحانه وتعالى، وحتى كانت النار برداً وسلاماً عليه.
الفطرة، تدفع إلى الصدق في تحمل المسؤولية تجاه من وما حولك، وتدفع إلى الإخلاص في التنفيذ، فإذا وصل المرء إلى هذه المرحلة فإنه لاشك، سيكون محاطاً برعاية كونية تؤهله لاكتشاف الأمور العبقرية القريبة من العمل الخارق، ومن ثم المساهمة في صنع مثل تلك الأمور.
الغزال والأسد، عنوان الجزء الأول من كتاب «رؤيتي» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، يحرك سكون الحال الراهن، بعنوان أعاد إلى الذاكرة مشهداً عن غزالٍ وأسد ..!
ذات مساء، منذ عقد من الزمن، عرض تلفزيون دبي فيلماً تسجيلياً عن أدغال إفريقيا، انتهى مشهده الأخير على صورة أثارت لدي سؤالاً كبيراً ووجعاً لم أستطع تحديد تفاصيله..!
المشهد عبارة عن غزال صغير، نجا للتو من أنياب ضباع ونمر، وقف في تلك اللحظة بجوار أسد، يدور حوله، معتقداً أنه أمه..!، .. لا الأسد يستعجل التهام الغزال، ولا هذا يفكر في الفرار ..!
السؤال الكبير يكمن بين استئناس الغزال ومقدرة الأسد .. أما حالة الفرار، أو السباق، فلم تكن في الحسبان أمام كل تلك الدهشة والحذر والخوف من النتيجة التي لم نشاهدها، لكنها في مخيلتنا كانت معروفة سلفاً، منطقياً ووفقاً لقوانين الطبيعة، إلا أن معجزة قد تحدث، ويفعل الله سبحانه ما يشاء، وقت ما يشاء، وقراره ـ جل علاه ـ بين الكاف والنون.
أتذكر ذلك المشهد، حين قرأت بعض تفاصيل كتاب «رؤيتي» الذي صدر مؤخراً بأجزائه الخمسة، ويعنينا هنا الجزء الأول الذي حمل عنوان «الغزال والأسد» لغرابة الرابط وعمق الحكمة.
من يعايش تجربة الإمارات عن قرب، ومن يفهم كُنه الرموز القيادية في هذا البلد، يدرك مدى التسارع نحو تحقيق «الفوز» على الأصعدة كافة، فعمر الدولة الذي لم يتجاوز 35 عاماً، يؤكد بالشكل القاطع مدى الإخلاص الفطري والمحبة الفطرية، والنوايا الصادقة، والرؤية الاستشرافية الصحيحة للمستقبل، تلك الصفات والممارسات التي تضع القادة الحقيقيين في مفاصل تاريخية مشهودة.
التاريخ، يعني الجغرافيا والناس، الحدث والمكان، وقلة هم الذين يقفون شامخين عند تلك المفاصل .. وقلة منهم أيضاً يحققون «الفوز» في وقت قياسي، ومكان قياسي، وبأحجام قياسية.
محمد بن راشد، صاحب الكتاب، والمسؤولية الكبيرة، ليس شخصية مفاجئة، إنما هو سليل مدرسة عظيمة، تدرب فيها وأخذ عن أساتذتها الكثير من الأخلاق والاجتهاد والسعي على تحقيق بنيان لا تشوبه شائبة.
سموه تعلم في مدرسة زايد وراشد رحمهما الله .. يقول: «والدي علمني شيئاً تعلمته أيضاً من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ألا وهو التفكير بقهر المستحيل».
زايد، الذي أسس الدولة على قواعد من الأخلاق والعطاء، والذي فهم التاريخ بفطرته، وبحساباته الخاصة، فهو ـ رحمه الله ـ كان حريصاً على أن تكون صفحة كتابه ناصعة لا تشوبها شائبة، لأن التاريخ ـ كما قال في زيارة لمتحف في إحدى الدول العربية ـ لا ينحاز لأحد، يسجل بأمانة، وقال في تلك اللحظات «اللهم لا تجعل التاريخ يسجل علينا أمراً لا تحبه ..».
لذلك كان سعيه ـ رحمه الله ـ في الأمور التي يرضاها الخالق سبحانه، وكان لا يغفل عن صغيرة أو كبيرة إلا تحقق من صلاحها في الدنيا والآخرة، وراشد بن سعيد آل مكتوم ـ رحمه الله ـ كان دائماً يشكل مفاجأة لجميع الذين يتابعونه، ولا ننسى في سبعينات القرن الماضي، حين كان يتابع، منذ الفجر، الإنجازات والمشاريع، وخصوصاً خلال إنجاز مشروع ميناء جبل على .
رجلان عظيمان .. غرسا للأمة نبتاً أينع محبة وخيراً، من مدرستهما، يقف قادة هذا البلد، ويقف محمد بن راشد، ليؤكد مجدداً ان الأفعال الصحيحة تبقى ثابتة، تدفع إلى تحقيق الغايات إلى الفوز، ويقول سموه «سنعدو مع العدائين جميعاً، في كل وقت لكن ليس بهدف العدو، بل لتحقيق الفوز».
هذه الحقيقة التي يمارسها سموه، بالفعل والتوجيه، نابعة من أمل ومحبة وإخلاص، لتكون دولة الإمارات بهذا العمر الفتي، في مقدمة الدول المهمة، في القمة، وهذه هي «الجائزة الكبيرة» محذراً من أن «الفشل كارثة وطنية وقومية» ®.
فلابد من الفوز . والجائزة. الكتاب بأجزائه الخمسة، المفعمة بالتجربة والطموح، حدد الأسس الصحيحة في سباق التميز، نحو مستقبل مبهر، يضاف إلى الواقع الذي نرى .. وبالتالي، فإن الكتاب يجعلنا نطرح سؤالاً مهماً: كيف نستفيد من محتواه، لتحقيق الهدف .. الفوز؟
نستطيع تحديد ثلاث مراحل يمكن تعميمها بأساليب واضحة وسهلة:
1 ـ المرحلة الوجدانية، تعنى بالنشء في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، بحيث يفهمون بشكل مبسط معنى المواطنة وحب العطاء، وقراءة تجربة القادة الرواد.
2 ـ المرحلة التعليمية، لطرح تجربة القادة الكبار أمام الشباب في المرحلتين الثانوية والجامعية، لخلق حالة من التوازن النظري والعملي وتحديد مفاهيم التميز والإنجاز من عمق التجربة التي احتواها الكتاب.
3 ـ المرحلة القيادية، وهي محددة لشريحة من القياديين المسؤولين في مواقع مختلفة، بحيث يكون هؤلاء قادرين على اتخاذ القرار الصحيح، اقتداء بالتجارب الرائدة.
هذه الملاحظات حول المراحل الثلاث تحتاج إلى تكاتف المهتمين بالأمر من أجل تعميم الفائدة، عرفاناً وتقديراً لهذا القائد الفذ.
كاتب فلسطيني
h-salama-51@yahoo.com
