إذا كانت الأرقام لا تكذب، فإن وقفة تأمل سريعة أمام تقرير جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، تبعث على القلق وتنذر بمخاطر جمة ربما تتعدى نطاق الشارع الفلسطيني الذي ضاق ذرعاً بالحصار الإسرائيلي المؤيد أميركياً ودولياً والمغلف أيضاً بصمت عربي أو على الأكثر تحرك لا يرقى الى مستوى التحديات.
فقد أعلن جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني أن نسبة البطالة في الضفة الغربية وقطاع غزة بلغت أكثر من خمس المشاركين في القوى العاملة لتصل الى نحو 200 ألف شخص، ولا تشمل الأرقام المذكورة الربع الأول من العام الحالي 2006.
الجهاز وفي تقريره الذي أصدره بمناسبة عيد العمال قال ان نسبة البطالة في الأراضي الفلسطينية قدرت بنحو 23 بالمئة في عام 2005 بواقع عشرين بالمئة في الضفة الغربية وثلاثين بالمئة في قطاع غزة. كما أظهر التقرير أيضا أن أكثر من نصف المستخدمين الفلسطينيين لا يتمتعون بحقوقهم التي أقرتها المنظمات الدولية.
وإذا كان تقرير جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني لم يتطرق إلى المرحلة الأصعب والأشد تدنياً في الأوضاع ونقصد بذلك الربع الأول من العام الحالي، فإن الأرقام الآتية والمتوقعة عن تلك الفترة ستكون بالتأكيد أشد سواداً أو أكثر قتامة.
وبعيداً عن الأسباب التي أوصلت الشعب الفلسطيني إلى هذه الحالة، والتي لم تتمكن معها الحكومة من تأمين رواتب 165 ألف موظف بعد نحو شهرين من توليها المسؤولية، فإن التقاء الفلسطينيين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية يصبح اليوم ضرورة حتمية يفرضها الواقع المرير الذي يعاني منه المواطن الفلسطيني الذي يعاقب على خياره الديمقراطي.
فالحوار الفلسطيني لم يعد اليوم نزهة أو فرصة لتسجيل مواقف أمام الكاميرات، بل ضرورة لا بديل عنها أمام تحديات ـ لو تركت ـ سوف تعصف بالجميع ولن تفرق بين من في السلطة أو في الحكومة. وبعبارة أخرى فإن الجميع مطالب الآن بالارتفاع الى مستوى المسؤولية والخطر الجاثم على الأرض، حيث لن يرحم التاريخ أحداً.
وإذا آن للفلسطيني أن يرى الضوء في نهاية النفق، فإن شعاع الأمل الوحيد الباقي أمامه الآن، هو التفاف قيادته حول هدف واحد وهو كيفية الخروج من هذا النفق المظلم من خلال الحوار والاتفاق على أجندة عمل للمرحلة الحالية ووضع إطار وخطوط كبيرة للمرحلة المقبلة.
ولعل الترحيب الذي لقيته دعوة الرئيس الفلسطيني للحوار الوطني من جانب كل الأطراف بادرة خير تؤكد إدراك الجميع لخطورة الموقف وصعوبة الوضع.
واذا كانت الفصائل الفلسطينية مطالبة بالتوحد والالتفاف حول الحوار والتمسك به خياراً للخروج من هذه الأزمة، فإن عواصمنا العربية التي تتحرك على استحياء مطالبة بمساندة هذا الحوار وتشجيعه ودعم الشعب الفلسطيني المستهدف بوجوده ومصيره وتعزيز صموده ومقاومته لمحاولات فرض حلول مرفوضة ومنقوصة وأحادية الجانب.
واذا كان جيمس وولفنسون مبعوث اللجنة الرباعية قد أنهى عمله بعد أحد عشر شهراً بسبب الانقسامات داخل الرباعية حول دوره الآن بعد تولي حماس المسؤولية، فإن ذلك يفرض على عواصمنا العربية تقديم المزيد من الدعم للفلسطينيين حتى تستشعر الأسرة الدولية خطورة انحيازها الأعمى لوجهة النظر الأميركية وبالتالي الإسرائيلية.
وبغض النظر عمن يتولى السلطة أو يدير شؤون الفلسطينيين، فإن الدعم العربي السياسي والاقتصادي لهم تفرضه معطيات كثيرة يدركها جيداً رجل الشارع البسيط الذي ينزف دماً ويشتد حرقة وألماً وهو يرى ما آل إليه حال الفلسطينيين، وفي هذا السياق يمكن فهم مناشدة الأمين العام لجامعة الدول العربية لشركات الأدوية لتقديم التبرعات العاجلة لسد حاجة الشعب الفلسطيني من الأدوية والمستلزمات الطبية.
haniihanii@hotmail.com