من البديهي أن التلازم وثيق بين أمن الوطن وأمن المواطن، مثلما الارتباط عميق بين تحقيق الأمن والشعور بالأمان، ولهذا تتطلع كل المجتمعات الإنسانية إلى سيادة حالة «الأمن» في حياتها، والتي تتضاءل فيها كل المخاطر التي يمكن أن تهدد أمن الوطن وأمن المواطن، وصولاً إلى حالة «الأمان»، التي تتنامى فيها كل الفرص المتكافئة، لكل مواطن، والمشاركة العادلة بين كل المواطنين في كل مقدرات الوطن.

نحن لا نتحدث هنا عن الأمن بمفهومه البوليسي الضيق لمكافحة الجريمة، وإنما عن الأمن بمفهومه السياسي الشامل لمكافحة أسباب الجريمة، حيث يشكل الأمن الاقتصادي، أساسا للأمن الاجتماعي، وحيث يشكلان معاً في ظل منظومة القيم والثوابت الرئيسية للمجتمع أساس الأمن السياسي، بما يوفر في الجبهة الداخلية من المواطنين جميعا خط الدفاع الحقيقي أمام أية مخاطر تهدد أمن الوطن وأمن المواطن.

ولا سبيل إلى تحقيق الأمن التقليدي لمكافحة الجريمة بما يستهدف أمن المواطن إلا برؤية سياسية متكاملة تحقق مصالح وكرامة عموم أبناء الوطن، تقوم على العدل السياسي والاقتصادي والاجتماعي باعتباره القاعدة الأساسية للأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولا عدل يمكن أن يسود إلا بقانون طبيعي وعادل يراعي كل حقوق الإنسان، وبغير سلطة قضائية مهابة ومستقلة تمثل حصن المجتمع عند الأزمات، وبغير صحافة حرة ومسؤولة تمارس دورها في التعبير عن الرأي العام.

النظام السياسي العادل إذاً هو الذي يفتح الطريق للأمن وليس العكس، والمقصود هنا حفظ أمن المواطن وليس هراوة الأمن، والحفاظ على كرامة الإنسان وليس انتهاك حقوق الإنسان هو الذي يشيع الشعور بالمواطنة ويعمق الانتماء للوطن، بما يحاصر أسباب الجريمة، ويحد من أسباب الاضطراب، ويزيد من الارتباط بين المواطن والوطن وبين الحاكم والمحكوم، ويحفظ في النهاية أمن المجتمع بكل أبنائه وأمن النظام بكل مؤسساته.

والعدل في النهاية هو أمر الله العادل للولاة والقضاة بحكم الناس والحكم بين الناس بالعدل، والعدل في النهاية هو النقيض للظلم، وإذا كان الخالق سبحانه وتعالى يحرم الظلم على ذاته العلية فالأولى بالخلق ألا يتظالموا، وإذا كان الحكماء لم يخطئوا حين قالوا «العدل أساس الحكم»، فلا أظن أن الشعراء أخطأوا حين قالوا : «إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا».

نسوق هذا الكلام في ظل ظروف استثنائية تحيط ببعض مجتمعاتنا العربية ومثالها الأخير كان في مصر، وتوشك ألا تستثني أحداً، والتي تهددها مخاطر الجريمة، وأخطار الإرهاب والفتن، مما يوجب على الجميع من علماء وباحثين وسياسيين وإعلاميين المشاركة في البحث عن الأسباب ودراسة سبل العلاج، وعن عناصر الوقاية ووسائل الحماية، باعتبار أن معالجة الأسباب هي الأولى من إدانة النتائج، وأن توفير عناصر الوقاية خير من استعمال هراوات الحماية.

أما عن الأسباب.. فإن البحث عنها يتطلب تشخيصا جادا وحقيقيا يستلزم كشفا من عدة جوانب وليس من جانب واحد، ومن عدة تخصصات وليس من تخصص واحد، ومن عدة رؤى في الاختصاص الواحد.

فما زالت أساليب التعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة خلال السنوات الماضية تشير إلى غياب التشخيص السليم والملم بأبعادها بما يبعد بنا عن المواجهة السليمة لأسبابها، وإذا كان لنا من رؤية في ذلك فإننا نلخصها في «الشعور بغياب العدالة وحقوق الإنسان، وغياب الوعي الصحيح برسالة الأديان، وغياب الوعي الحقيقي باستهداف الأوطان».

وأما عن سبل العلاج.. فإن السائد هو قصر التعامل مع الظاهرة على الوسائل البوليسية، مع أنها في الأساس مشكلة فكرية وثقافية، ناتجة عن أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، وأن الغالب في التعامل معها هو المسارعة بتوجيه الاتهام، وتوسيع دائرة الاشتباه نحو تيار واحد بعينه مع إغفال أية افتراضات محتملة أخرى خارج تيار «التطرف الإسلامي»، ثم الإسراف في الاعتقال الوقائي بين المتدينين مع المعاملة غير الإنسانية للمشتبهين، بما يضيف إلى الغاضبين مزيدا من الأبرياء الساخطين.

وإذا كان لنا من رؤية في ذلك فإننا نلخصها في « أن المشاكل السياسية لا تحل إلا بوسائل ديمقراطية وليس بقوانين استثنائية، مما يستلزم فتح المجال للمشاركة الوطنية لكل التيارات السياسية دون إقصاء، أياً كانت مرجعياتها الفكرية، ودون تشكيك أو تهميش.

ومن الضروري تحقيق ضمان نزاهة عملية الانتخابات لضمان سلامة التمثيل النيابي على أسس ديمقراطية بما يوفر سلطة تشريعية حرة وقوية قادرة على الرقابة على أداء السلطة التنفيذية والتشريع لعموم المجتمع، ومن الضروري كذلك أن يتم ذلك مع تحقيق استقلال حقيقي للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، وتوفير مزيد من الحريات للسلطة الرابعة (الصحافة)، في ظل الفصل والتوازن بين السلطات الثلاث.

وجعل الحوار على جميع المستويات هو المجال الوحيد للوفاق الوطني، لأن المشاكل الفكرية لا تحل إلا بوسائل فكرية وليس بالوسائل البوليسية، ومشاكل الغلو في الدين لا تحل بتغييب دور الدين وإنما بزيادة دور علماء الدين، وزيادة رفع كفاءة جهاز الأمن بما يمكنه من حفظ أمن المجتمع دون انتهاك أمن الأفراد، وبما يمكنه من التعرف بوسائل تقنية على المتآمرين الحقيقيين.

وأما عن ضرورة توفير عناصر الوقاية فليس هناك بديل عن العمل المضاعف لمعالجة أسباب التفجر الاجتماعي، وذلك بمحاصرة الفساد وزيادة الاستثمارات ورفع معدلات التنمية بما يتيح من فرص العمل ما يحد من تفاقم مشكلة البطالة، ويوفر للشباب العمل والأمل.

ولا بديل عن تطوير برامج التعليم لتكون مخرجاته شباباً صالحاً مسلحاً بالعلم والإيمان، مفعماً بالانتماء لوطنه وأمته، وقادراً على الإنتاج والابتكار، وزيادة فعالية دور الثقافة في إشاعة روح الإبداع والترويج لثقافة الإنتاج والحوار والانتماء واحترام الآخر.

وأخيراً.. تجنب الوقوع في شرك افتعال تناقض بين الدين والدولة لن يخدم إلا المتطرفين، وعليه يلزم التأكيد على دور الدين في المجتمع، وعرض جوانبه المضيئة الداعية إلى التسامح والتآخي بين الرسالات السماوية، والداعية إلى العدل الاجتماعي، وإلى تجريم قتل الأبرياء، وتحريم ترويع الآمنين، وتأكيد الأخوة الإنسانية باعتبار الرسالة الإسلامية رحمة وليست إرهاباً للعالمين.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com