مؤتمر الحوار الوطني الذي دعا إلى عقده الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيولد ميتاً إذا لم يكن على رأس جدول أعماله بندان رئيسيان: أولاً كيفية تفادي نشوب حرب أهلية.. وثانياً كيفية مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بجبهة وطنية موحدة.
التصريحات التي صدرت من الرئيس عباس عن المؤتمر المرتقب لا تأتي على ذكر أي من هاتين المسألتين بما يوحي أن المؤتمر في تصوره لا ينبغي أن يكون سوى مظاهرة إعلامية ذات طابع احتفالي شكلي تنتهي إلى تبني شعارات معممة بلا مضمون تتبخر عقب ختام المؤتمر.
احتمال نشوب حرب أهلية يبقى وارداً بشدة طالما أن هناك قيادات في فصيل «فتح» ـ بينها زعيم الفصيل نفسه الرئيس عباس ـ ترى أن معركتها المصيرية ليست مع الاحتلال الإسرائيلي وإنما مع «حماس» وحكومتها الوليدة.
هذه القيادات تنقسم إلى فريقين يجمع بينهما العداء للحكومة الحماسية، فريق «الحرس القديم» من جماعة عرفات التقليدية المتورطين في ممارسات فساد ويخشون أن تعمد حكومة حماس إلى فتح ملفاته، وفريق آخر يتكون من عناصر أمنية شابة من أمثال محمد دحلان وجبريل الرجوب.. وهي عناصر مرتبطة بالأجندة الإسرائيلية الأميركية.
تأسيساً على هذا الوضع فإن وقوع اشتباكات سياسية تفرز اشتباكات مسلحة بين فصيلي «فتح» و«حماس» ومعهما فصائل المقاومة الأخرى يبدو أمراً حتمياً. مع ذلك بوسع مؤتمر الحوار الوطني ان يتوصل إلى تبني ميثاق جماعي تتعهد بموجبه جميع القيادات بضبط النفس والتوافق على تشكيل آلية على مستوى عالٍ للاحتكام إليها كلما لاحت في الأفق بوادر اشتباك مسلح.
من ناحية أخرى لن يكون للحوار أي قيمة اذا لم يتوصل الى رسم برنامج وطني لتحديد كيفية مجابهة الاحتلال وتحرير الأرض المحتلة على ان يكون برنامجاً ذا بنود عملية وليس تهويمات نظرية.
وأياً يكون الشكل الذي يتخذه مثل هذا البرنامج المصيري فإن مضمونه الأساسي ينبغي ان يكون المزاوجة بين أسلوب الكفاح السلمي ومنهج المقاومة المسلحة، فتاريخ حركات التحرر الوطني يعلمنا انه لا جدوى من تعامل سلمي مع عدو احتلالي دون مساندة من عمل ميداني مسلح وأن المقاومة ينبغي ان يكون هدفها النهائي إجبار العدو على التفاوض السلمي صوب تسوية سياسية عادلة للطرفين.
لكن الخطوة الابتدائية التي ينبغي ان تسبق عقد مؤتمر الحوار هي تحديد عضويته بحيث تنحصر في ممثلي الفصائل.. اذ لا جدوى من مؤتمر موسع اذا كان المطلوب هو ان يكون الحوار جدياً ومعمقاً وعملياً على أساس عمل تحضيري جيد.
وليتعلم القادة الفلسطينيون من المثال الإسرائيلي. فبعد ان انتهت عملية الانتخابات النيابية في إسرائيل توافق القادة الإسرائيليون على تشكيل حكومة وحدة وطنية يجمع بين عناصرها الحزبية تأييد الخطوط العريضة للخطة الأحادية الهادفة الى تطبيق «الحل النهائي» وفقاً للشروط الإسرائيلية.
واذا كان تطبيق الخطة الأحادية يعني تجاهلاً إسرائيلياً تاماً للجانب الفلسطيني فلأن الإسرائيليين يدركون ان الصف الفلسطيني مشتت. فهل يستطيع مؤتمر الحوار الوطني تقديم رد فلسطيني على هذا التجاهل؟