يحيّرك سير اتجاه السياسة الأميركية في المنطقة العربية، إذ كل شيء مُسيَّر لخدمة إسرائيل بدءاً من فرض أتاوات على ألمانيا بسبب المحرقة، وحروب العرب معها، ثم التحول إلى سيرة المخطط المُعد بتجزئة العرب وإغراقهم في حروب عرقية، ومذهبية وقبلية، وقد

بدأ الاتجاه بالحرب اللبنانية، ثم تقطيع الأراضي الفلسطينية وفرض الحصار على المواطنين هناك، والآن إعلان تجزئة العراق إلى حكومات طائفية بحدود تخطط لها أميركا، مع بعض القوى الداخلية العراقية..

أما السودان فهو على خط النار، والسبب أن النفط، أو السائل السحري هو ميدان المعركة، ليس مع السودانيين الذين يتحاربون بدارفور منذ سنوات طويلة، وشبه منسيين، ولكن دخول الصين على خط النفط فجَّر المعركة، وربما تُعدّالآن صفقات هي بالتأكيد ضد وحدة السودان، وإيقاف للتمدد الصيني على القارة الأفريقية..

إيران مركز التجاذب الحاد، إلا أنها ليست الجدار القصير، وخيار الحرب قد يحدث إذا ما جاء التنافس بين الصين وروسيا الداعمتين لها من جهة، وبين أوروبا التي تتقدم خطوة وتتأخر أخرى مقدرة المخاوف التي قد تستهدفها اقتصادياً وأمنياً، كجهة ثانية، وهنا لا بد من قراءة الأسباب وهو أن أمن إسرائيل يأتي كأولوية استراتيجية لأميركا يتفوق حتى على أمنها الذاتي، مما يدعم الحرب بأدوات أميركية، وخارج مجلس الأمن، وحتى الحلفاء..

مشكلة المنطقة، والعالم مع أميركا أنها تتحرك بحسها الخاص الذي يصل إلى حدود التصرف الغريزي قبل العقلي، ولذلك لا يُستبعد أن تشمل الحرب ضربات على سورية ولبنان باعتبارهما قوة مساندة لإيران، لكن العواقب ليست فقط بضربات عسكرية تستهدف المفاعلات النووية، أو معاقل حزب الله، والجيش السوري، بل بمضاعفات المخاطر التي قد تجعل الحرب إقليمية شاملة تُجر لها قسراً، ومعها تضيع الضوابط، وكل الاحتمالات بالانتصار أو حتى السيطرة على اتساعها..

قد تكون الأهداف أكبر من التصورات، إذ أن خط النار لم يعد مع دول شرق أوسطية، أو على أطراف آسيا، وإنما مع القوى القادمة: الهند والصين، ومعهما المزاحم الآخر كاليابان ودول جنوب شرق آسيا، وحتى أوروبا وروسيا..

ومثلما فقدت أميركا حُلم الهيمنة على العالم بما اعتبرته حقاً إلهياً بإعادة تركيب المجتمع الدولي وفق منهجها وحياتها، فإن البديل الجاهز مغامرات غير محسوبة النتائج، وهنا يأتي السؤال من يستطيع كبح جماح أميركا، وهل في مقدور الأوروبيين كصوت مسموع أن يضعوها أمام المسؤولية الأدبية، والأخلاقية، أم تتجه القوة إلى حيث تريد إسرائيل، وهنا يفقد العالم شعوره، وبوصلته؟..