يشتد الخناق حول عنف الوضع الفلسطيني. وكل المؤشرات تقول إن الأمور سائرة نحو الأسوأ. الأزمة المالية تدور في حلقة فارغة التحركات الفلسطينية المكثفة لم تقو حتى الآن على كسر الحصار ولا حتى فتح كوّة صغيرة في جداره.

وكأن الأبواب انسدت كلها في وجهه. الحملة ضده عاتية. واشنطن مع إسرائيل والاتحاد الأوروبي رفعت الحواجز عالية في طريق أية حلحلة. وهي تدفع باتجاه تأزيم حالة الضيق، لبلوغ الأهداف السياسية المعروفة.

الأطراف العربية وغيرها التي مدت أو ترغب في مدّ يد العون، عجزت عن كسر الممنوعات الأميركية بوجهها تحت وطأة هذا التطويق، الذي لم يفلت فيه الهواء، دبّ الفلسطينيون الصوت طلباً للنجدة، رئيس الحكومة هنية وجّه نداء عاجلاً إلى الجامعة العربية وإلى رئيس القمة، الرئيس عمر البشير.

وكافة القيادات العربية للتحرك بكافة الوسائل من أجل إنهاء الأزمة والحيلولة دون وصولها إلى نقطة الاختناق. أيضاً الرئيس الفلسطيني سبق وحذر من حدوث كارثة، لو بقيت المقاطعة على حالها، فيما يتواصل تدهور الوضع المعيشي للشعب الفلسطيني.

هذا الشعب بات محشوراً ومضغوطاً بين مطرقة الحصار الانتقالي التركيعي وبين سندان تخبط ساحته الداخلية. رواتب الموظفين ـ 130 مليون دولار شهرياً ـ تراكمت للشهر الثالث على التوالي من دون دفع. حنفية المساعدات، من كافة الجهات، مقطوعة.

حتى الموجودة لدى الجامعة العربية تعذر تحويلها إلى الأراضي الفلسطينية، بسبب الحواجز والضغوطات الأميركية. وفيما بدأ الشحّ يضرب في المجالات كافة، رفع جيمس ولفنسون، الموفد الخاص للجنة الرباعية إلى الشرق الأوسط استقالته، بسبب «استحالة» متابعته لمهمته. وهو لم يخف استياءه من عزوف اللجنة عن توفير الدعم الكافي له، كي يقوى على متابعة النهوض بدوره.

فمنذ مجيء «حماس» وضعت الرباعية قيودها على هذا الدور. وحتى تكون الرسالة واضحة أكثر، بخصوص الآتي من الأيام، التقى نائب وزير المالية الأميركية مع فريق من كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين وتداول معهم حول سبل تشديد الإجراءات الكفيلة بمنع تحويل أية مساعدات إلى الحكومة الفلسطينية: كما حول سبل تجميد حسابات مصرفية تابعة إلى هذه الحكومة. ولم يبق إلا البحث بكيفية سدّ أنابيب ومواسير الأوكسجين إذا أمكن، عن الرئة الفلسطينية.

إذن، الصورة لا تحتاج إلى توضيح: إدارة الرئيس بوش وبقية الجوقة الإسرائيلية ـ الأوروبية، عازمة على مواصلة حشر الساحة الفلسطينية في أضيق زاوية ممكنة، ولغاية أن ترفع الحكومة الفلسطينية العلم الأبيض.

هذه الأخيرة تشدد وتكرر بأن ذلك لن يحصل. لكن نداءها لا يحتاج إلى اجتهاد أو تفسير. وبذلك لا يبدو أن هناك مخرجاً سوى التحرك لفصل المالي عن السياسي. إلا إذا قرر الوضع العربي كسر الطوق وتأمين وصول الدعم للشعب الفلسطيني، قبل وقوع انهيار كبير، يطيح بكل المخارج.

الأزمة تتطلب مبادرة، أكثر من اعتيادية، على قدر تحدياتها والمخاطر التي تحملها بين ثناياها. وإلا فإن ما انطوى عليه نداء هنية وما حذر منه أبومازن وحتى ولفنسون، ضمناً، يكون في طريقه لأن يتحول واقعاً على الأرض. وحينها لن ينفع الندم.