ما الذي يدفع بحاخام يهودي أميركي ليتزعم مجموعة شخصيات أميركية للتخطيط لتسيير مظاهرات في مدن الولايات المتحدة من أجل «إنقاذ أهل دارفور»؟

وما الذي يدفع برئيس الولايات المتحدة إلى استقبال الحاخام ومساعديه في البيت الأبيض ليشجعهم متمنيا لهم التوفيق بينما في النصف الآخر من الكرة الأرضية يجاهد دبلوماسيون أفارقة لإقناع طرفي النزاع في دارفور بقبول مسودة لاتفاق سلام شامل؟

لقد رفض جورج بوش استقبال قيادات مظاهرة أخرى خرجت للتعبير عن التضامن مع شعب العراق الواقع تحت احتلال أجنبي دموي والمطالبة بسحب القوات الاحتلالية الأميركية، ونعرف سلفاً كيف سينفعل الرئيس الأميركي لو خرجت مظاهرة أميركية للتضامن مع شعب فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني وضد الحصار الأميركي المشين.

إن أقل ما يمكن أن يقال عن موقف الإدارة الأميركية تجاه أزمة دارفور هو أنه مريب من حيث الغايات والوسائل، وتتضاعف هذه الريبة بانطباق هذا الموقف مع موقف الحركة اليهودية الأميركية وأقطاب اليمين المسيحي الأميركي الذين يطلقون على أنفسهم «الانجيليون الصهاينة» وأن يكون العقل المدبر لمظاهرات «إنقاذ دارفور» الحاخام سابير شتاين.

وموقف الإدارة في هذا السياق يتشابه أيضا مع موقفها تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

إنها تعرض نفسها نظريا كوسيط محايد ونزيه بينما تدعم الطرف الإسرائيلي عملياً، وهكذا تدعي أنها وسيط حيادي بين طرفي النزاع في دارفور ـ الحكومة وحركات التمرد ـ بينما على الصعيد العملي تتخذ موقفا مساندا للتمرد وموقفا عدائيا تجاه الحكومة.

من هنا ندرك دلالة توقيت المظاهرات التي نظمها الحاخام، فهو يتزامن تماما مع الموعد النهائي الذي وضعه الاتحاد الإفريقي ليتوصل طرفا النزاع إلى اتفاق سلام قبل حلول ذلك الموعد، وكما هو واضح فإن الهدف الأميركي هو إجهاض أي مشروع لإحلال السلام في دارفور.

لقد تلقى قادة حركات التمرد الرسالة فرفضوا مسودة الاتفاق التي وضعها دبلوماسيو الاتحاد الإفريقي بينما قبلتها الحكومة السودانية، وكان جديرا بالإدارة الأميركية أن تزجر قيادات التمرد وتثمن في الوقت نفسه الموقف الحكومي لو كان هدفها فعلا إيجاد تسوية سياسية سلمية للأزمة الدارفورية.

حتى الآن لم تعلن إدارة بوش هدفها الاستراتيجي بعيد المدى نحو مصير دارفور. لكن مراهنتها على قيادات التمرد المسلح كممثلين لقبائل إفريقية تقاتل ضد قبائل عربية تكشف ان الدور المراد للتمرد هو تحويل دارفور إلى إقليم عازل في غرب إفريقيا ضد الثقافة العربية الإسلامية.

وفي هذا الصدد يتكامل دور النظام التشادي بزعامة الرئيس إدريس ديبي مع دور التمرد المحلي، وهذا ربما يفسر لنا لماذا دخلت المنظمات اليهودية الأميركية على الخط.

ويفسر لنا أيضاً لماذا تبدو قضية دارفور أزمة مفتعلة من أساسها يلعب الإعلام الأميركي العالمي دوراً رئيسياً في كيفية عرضها بأسلوب التضخيم المصطنع.

ولنستذكر في هذا السياق أنه بينما تتخذ الحملة الإعلامية الأميركية من عبارة «الإبادة» محوراً أساسياً فان ملايين المشاهدين والقراء حول العالم يسمعون العبارة دون أن يروا صوراً .. وكأن عمليات «الإبادة» تجري في كوكب آخر غير كوكب الأرض.