مع تولي زعيم حزب العمل الإسرائيلي عمير بيرتس وزارة الحرب، خلفاً لشاؤول موفاز، تبدأ عملية مراجعة كبرى لأساليب و«تكتيكات» وخطط و«استراتيجيات» جيش الاحتلال في التعامل مع الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1967،.

وبالمثل مع عرب 1948، الذين وضعوا مؤخراً على جرافة التهجير و«الترانسفير» ضمن هوس التطهير العرقي والفصل العنصري، لضمان بقاء واستمرار آخر الجيوب العنصرية في الألفية الثالثة، وحمايتها من خطر التحلل والذوبان في محيط الأغلبية الفلسطينية صاحبة الأرض والتاريخ.

إسرائيل تراجع نفسها، من اجل التعرف على حجم المكاسب، وتحديد الخسائر في محصلة الصراع خلال انتفاضة الأقصى، التي كبدتها 1200 قتيل، وهو رقم لم تعرفه خلال أي من الحروب النظامية مع الجيوش العربية، منذ اغتصاب فلسطين، والأفدح من ذلك سقوط نظرية توفير الأمن والحفاظ على ميزان القوى المختل لصالح إسرائيل.

حيث تبين بعد أعوام من الاعتداءات العسكرية التي حملت أسماء (السور الواقي، حقل الأشواك، يوم جهنم، وغيرها) ومسلسل الاغتيالات والتصفيات لرموز المقاومة، والحصار الخانق، ان الأمن صار من الأمور المستحيلة، بل انكشف عوار هذه النظرية، التي لم تؤد إلا إلى عكس ما صيغت من اجله، فلم تحصل إسرائيل على أمنها، بل أجبرت على سحب قوات الاحتلال من غزة.

وتفكيك الجيوب الاستيطانية بعد مواجهات مع المتطرفين الصهاينة، ليس حبا في السلام، بل هربا من الثمن الباهظ الذي تسدده يوميا لقاء استمرار هذا الاحتلال، وبعد ان أصبحت غزة صداعا مزمنا في رأس العسكر والسياسيين.

الآن، يعترف الإسرائيليون بخطأ قادة جيش الاحتلال، ويجرمون «نشوة العسكرتاريا» التي قادت إلى كل هذه الخسائر، وبدلا من ان تقضي على المقاومة التي تعرفها إسرائيل وأميركا ب«الإرهاب»أو المخربين، قادت إلى صعود مفاجئ، جعل حركة حماس صاحبة الاغلبية في أول انتخابات ديمقراطية.

وقزمت الحركة الأم «فتح» ووضعتها في موقف لم يدر ابدا بذهن اشد المتشائمين، ففي دوائر الاستخبارات العسكرية توجه الآن سهام النقد إلى موفاز وربيبه عاموس جلعاد، وتوضع ركيزتهما الاستراتيجية لشن الحرب على السلطة والزعيم الراحل ياسر عرفات، موضع الاستهزاء والسخرية، وتصنف في إطار التفكير الأحادي قصير النظر والمخادع للذات، والمدمر لها.

فمن المعلوم ان موفاز وجلعاد روجا لنظرية ان عرفات هو المسؤول عن اندلاع الانتفاضة، وهو ما تأكد كذبه، بعد وفاته في عملية اغتيال بطيء، كما أنهما روجا لأكذوبة ان تدمير العراق سيوفر المزيد من الأمن والتمدد السرطاني للنفوذ الإسرائيلي.

وحسب ما يقرره المحلل السياسي لصحيفة (هآرتس) فإن ما يجري الآن في العراق ضاعف من المخاطر التي تهدد إسرائيل، فلقد أصبحت إيران بحضورها في ارض الرافدين أكثر قربا.

خلاصة المراجعة الإسرائيلية ان الشعب الفلسطيني لا يقهر بسياسة العقاب الجماعي او التجويع او الاغتيالات فكل هذه عوامل تزيد من قدرته على الرفض و الصمود، وتوسع دائرة الانتفاضة، وتجعل منه شعبا يستعصي على التدجين او التركيع.

وبالتالي ينبغي تغيير المسار وطرح أساليب سياسية وعدم الاكتفاء بقبضة الأمن الثقيلة، والاعتماد على التنسيق الأمني مع الجوار الأردني المصري بدلا من الخطوات الأحادية باهظة التكاليف.

ببساطة، تعترف إسرائيل بأنها خسرت الجولة أمام المقاومة الفلسطينية، فلقد بدأت مرحلة التخلي عن «إسرائيل العظمى» من النيل إلى الفرات، بل وانكفأت إلى جيب عنصري خلف الجدار الفاصل، وتتخبط بين الخوف من السلام واستحقاقاته، او الرعب من حروب الاستنزاف اليومية التي خلقتها الانتفاضة.

على الضفة الاخرى من نهر التفكير العربي تبدو الصورة كئيبة، تلخص حالة من «التكلس» غير مسبوقة، سببها التخندق في المربع الحزبي، والخوف من نقد الذات، وعدم القدرة على التواصل بين الأطراف.

والانهماك في حروب صغيرة من أجل «الكراسي» حتى لو كانت من شوك ونار، وقبل كل شيء العجز الفاضح عن الوفاء باستحقاق «تداول السلطة»او احترام المسار الديمقراطي.

ومن خزايا «تكلس العقل»العربي انه يغفل عن رؤية الجانب المضيء، ويغرق في وحل الانهزامية والعجز، ففي حين تعترف إسرائيل بفشلها أمام الانتفاضة نجد البعض، يروج لحديث افك عن «خطيئة» عسكرة الانتفاضة، ويرمي بكل البيض في سلة المفاوضات، التي لن تثمر أكثر مما تمتلكه من قوة على الأرض.

من هنا تظهر أهمية الحوار الوطني الفلسطيني الذي سينطلق قريبا، وضرورة ان يركز على كيفية تعظيم المكاسب من الانتفاضة، والالتفاف حول برنامج وحدة وطنية، وتحويل الخلافات الحزبية إلى عوامل قوة، بجعلها قدرة تنافسية من اجل الكل بدلا من ان تكون فقط لصالح الحزب او الجماعة.

وان لم نفعل ذلك، سنكرر كل الأخطاء التي أفشلت ثوراتنا وهباتنا من أيام ثورة القسام في منتصف ثلاثينات القرن الماضي والتي لو نجحت ـ وكان نجاحها متاحاً ـ لما ضاعت فلسطين أبداً.