بدأت تداعيات إمكانية دخول إيران النادي النووي تترك آثارها السلبية على المنطقة العربية بشكل عام ومنطقة الخليج العربي بشكل خاص.

فهذا العالم العربي الذي عاش طوال العقود الستة الماضية سباق التسلح التقليدي واستثمرت لهذا الأمر مليارات الدولارات، قدر له أن يبدأ الآن التفكير الجدي بامتلاك القدرة النووية والسلاح النووي لاستعماله كسلاح ردع ضد الدول التي تمتلك قدرات نووية كإسرائيل.

أو تسعى لامتلاكه وقطعت أشواطاً في هذا المجال كإيران أو حتى الدول التي بدأت تتحدث عن ضرورة امتلاك السلاح النووي كتركيا.

فمن غير المعقول أن يترك الأمن القومي العربي فريسة لتهديدات الدول الممتلكة للسلاح النووي أو لطموحات الدول التي اقتربت من امتلاك السلاح النووي أو أسيراً لسياسات دول عظمى لها مصالحها الحيوية في المنطقة .

ولكنها تعاني من سياسات قصيرة النظر عندما يثبت للجميع أنها اتبعت وما زالت تتبع سياسات مزدوجة تجاه المنطقة العربية التي تمتلك من العناصر الاستراتيجية كالجغرافية السياسية والنفط والغاز والطاقة الشمسية وشعوب شابة، مما يؤهلها بل ويتوجب عليها أن تقود ليس فقط منطقة الشرق الأوسط بل وتكون في مقدمة الأمم.

كما أنه من غير المعقول أن يقف العرب موقفاً سلبياً أمام التحولات الإقليمية والدولية وأمام احتمال حدوث تغيير في السياسة الأميركية تجاه العلاقات الأميركية - الإيرانية وتحديداً الملف النووي الإيراني والدور الإيراني في منطقة الخليج العربي، الأمر الذي لن يكون في صالح الدول العربية في منطقة الخليج العربي.

فالمأزق الأميركي في العراق وحاجة الإدارة الأميركية لتصحيح وضبط الأوضاع العراقية والقضاء على ما تعتبره «الخلايا الإرهابية» كله يصب في اتجاه واحد وهو المضي في خيار الحوار مع إيران.

وتمديد الهدنة معها، لأن البديل لذلك سوف يكون الخيار العسكري ضد إيران، وهذا إن حدث سينتج عنه تداعيات أمنية واقتصادية وسياسية خطيرة على جميع دول المنطقة، وبالتالي لن يكون خياراً مقبولاً.

مقابل كل ذلك، تستمر الدولة العبرية في سياساتها العنصرية الاقتلاعية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل وبدعم واضح من العالم الغربي دونما استثناء بالرغم من وجود رئيسين منتخبين هما محمود عباس وإسماعيل هنية طبقاً للمعايير التي طالبت بها الدول الغربية وإسرائيل.

فإسرائيل تعلن أنها لا ترى شريكاً فلسطينياً بعد أن فازت حماس بالانتخابات التشريعية الأخيرة في فلسطين، علماً أنها كانت تعلن أنه لا وجود لشريك فلسطيني حقيقي لمفاوضات السلام في الوقت الذي كانت حركة فتح تسيطر على جميع المؤسسات السياسية والأمنية قبل الانتخابات الأخيرة.

أي أن إسرائيل التي تعلن مشروعها الواضح في اتباع سياسة فرض الأمر الواقع تحت مسمى «سياسة أحادية الجانب» تريد أن تستثمر الأوضاع الإقليمية سواء في العراق أو إيران لتنفيذ مشروع ترسيم وتحديد حدودها النهائية التي ستتم على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية والحقوق العربية والإسلامية في القدس رافضة كل النداءات العربية والدولية للعودة إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية يعتمد على القرارات الشرعية الدولية وخارطة الطرق ومبادرة السلام العربية.

وهذا التجاهل الإسرائيلي لنداءات السلام أساسه الدعم الأميركي والغربي لمشروع إسرائيل النووي الذي ضرب بعرض الحائط كل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن وامتلاك ترسانة نووية ضخمة لإحكام السيطرة على المنطقة العربية، لاسيما بعد أن نجحت في إقامة علاقات غير مسبوقة مع الهند وباكستان وتركيا والعديد من الدول العربية.

إن المرحلة المقبلة في منطقة الشرق الأوسط غامضة وصعبة للغاية وقابلة للانفجار، وفي مطلق الأحوال سوف تكون مهمة جداً بالنسبة إلى مصير العديد من الدول العربية وأنظمتها ومصير النفط ومصير المستقبل الأميركي في الشرق الأوسط الصغير والكبير.

وقد طالب العديد من الزعماء العرب وفي مقدمتهم ولي العهد السعودي، الأمير سلطان بن عبد العزيز من إيران اتباع سياسة «عقلانية» بخصوص الملف النووي مذكراً في الوقت ذاته امتلاك إسرائيل الأسلحة النووية قائلا: «نحن لا نوافق على الأسلحة النووية...لكن، ليس من المصلحة أن نوضع الآن، في موقف ضد إيران، بينما إسرائيل تمتلك تلك الأسلحة» .

وأضاف أن المملكة العربية السعودية رفعت إنتاجها النفطي إلى نحو 12 مليون برميل يومياً من أجل الإسهام في تخفيض السعر العالمي. على أن الجهود لن تحول دون وصول البرميل الواحد إلى 120 دولاراً في حال الحرب، ما يمكن أن يفجر أزمة اقتصادية عالمية تنتج انهيارات في الأسواق وأزمات سياسية وأمنية لا يمكن تصور تداعياتها.

لذلك في ظل هذه السيناريوهات النووية وفي ظل سباق التسلح النووي في المنطقة لا بد أن يطرح العرب أسئلة عديدة حول مستقبل العالم العربي في منطقة الخليج العربي وهي منطقة في غاية الأهمية والحيوية إقليمياً ودولياً، وأيضاً في باقي أرجاء العالم العربي وخاصة تلك الدول التي تجاور الدولة العبرية وفي مقدمتهم مصر التي تخلت عن برنامجها النووي قبل عقود، في الوقت الذي بدأت إسرائيل بناء قدراتها النووية.

إن فشل الولايات المتحدة وباقي الدول العظمى في جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية يعني الفشل في إمكانية المحافظة على منطقة خالية من التهديدات الإرهابية والعسكرية من قبل الدول التي امتلكت السلاح النووي والتي تقف على عتبة امتلاك السلاح النووي.

وهذا الفشل الذريع سواء كان مقصوداً أم لم يكن، يجب أن يصبح محفزاً قوياً للدول العربية.وخاصة تلك التي تمتلك القدرات المادية والبشرية والتقنية كالمملكة العربية السعودية ومصر على امتلاك القدرات النووية للحد من التداعيات السلبية لاستمرار الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط، الذي يصب في مصلحة الدول التي تجاور العالم العربي من شرقه حتى غربه ومن شماله حتى جنوبه.

وأفضل مثال على ذلك هو ذلك التوازن الاستراتيجي القائم بين الهند وباكستان والذي ثبت بالتجربة أن نجاح الدولتين في امتلاك القدرات النووية ساهم بشكل كبير في تخفيف التوتر بينهما والحد من استمرار العمليات العسكرية والتوجه نحو إقامة علاقات ندية على أساس السلام المتوازن وليس الاستسلام للأمر الواقع .

كما يحصل الآن في فلسطين ويمكن أن يحصل في منطقة الخليج العربي في حال نجحت إيران بالانضمام للنادي النووي وبدأت تركيا وغيرها من الدول المجاورة في المسيرة ذاتها.

ونختم بالقول إن التحولات الدولية التي بدأت منذ سقوط الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية قبل أكثر من عقد من الزمن كانت المؤشر الحقيقي والعملي لبروز نظام عالمي يعتمد على منطق القوة أكثر مما كانت عليه الأوضاع قبل هذه التحولات.

وأن العرب ودورهم في النظام العالمي الجديد لن يكون فاعلاً وهاماً ومؤثراً إذا ما بقي ينتهج ذات السياسة التي انتهجها في حقبة الحرب الباردة.

وأن امتلاك القدرات النووية من قبل العرب أصبح ضرورة أمنية قصوى لمنع تحولهم إلى تابعين لسياسات إقليمية مفروضة من قبل دول إقليمية وليس فقط لسياسات دولية مفروضة من قبل دول عظمى تهيمن على العلاقات الدولية وقائمة على منهجية القوة والأمر الواقع وآن واحد.

isam997@hotmail.com