جلالة الملك عبدالله الثاني ليس من القادة التقليديين الذين يهتمون بإدارة الدول في الوقت الراهن، أو استحضار الماضي التليد والشعارات العالية في الخطاب السياسي، ولكنه كان دائما صاحب نظرة استشرافية للمستقبل نابعة من تحليل عميق للأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية، في محاولة لاستباق الأمور واتخاذ القرارات المناسبة لمصلحة الأردن والشعب الأردني بناء على تحليل سيناريوهات المستقبل.
وعندما يتحدث الملك أمام مجلس التفاهم العالمي الذي بدأ أعماله في البحر الميت، فإنه لا يكتفي بالعموميات والشعارات أمام مجموعة من المثقفين والسياسيين البارزين في العالم، بل يضع الجميع في مواجهة مسؤوليات جسيمة لحماية المنطقة من تداعيات عامين مقبلين، يعتبرهما جلالة الملك في منتهى الخطورة إذا لم يتم التوصل إلى حل عادل ومستدام للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ومخرج سياسي وطني من مستنقع العنف والطائفية والاحتلال في العراق.
ويؤكد جلالة الملك في حديثه لأعضاء مجلس التفاهم العالمي أن مسؤولية التوصل إلى حلول للأزمات المزمنة في المنطقة والتي وصلت إلى منعطفات خطرة، يكمن في عمل دولي جماعي وخاصة في سياق القضية الفلسطينية وإعادة إحياء مسار التسوية السلمية والخروج من حالة الركود الحالية، التي لن تؤدي إلا إلى المزيد من المشاكل التي تعاني منها شعوب المنطقة.
ومع أن الأردن يبدو من الأصوات القليلة التي ما زالت تنادي بضرورة الحوار والتعاون الدوليين والتركيز على قضايا التنمية والسلام، وذلك في عالم بدأ يتجه نحو المزيد من الاستقطاب الفكري والسياسي والديني، فإن هذا لا يضعف ابدا من مصداقية الرسالة الأردنية، بل يزيد من أهميتها ودورها الجوهري.
وبالنسبة لنا في الأردن، فإن تحذير جلالة الملك يرتبط مباشرة بالسياسات والإجراءات المتبعة في إدارة أزمات المنطقة الأساسية، وهي القضية الفلسطينية وازدواجية العنف والاحتلال في العراق، لأن الأردن سيكون في طليعة الدول التي سوف تتضرر من تداعيات هذه الأزمات، وهذا ما يجعل صانع القرار الأردني معنيا بمتابعة يومية لتدهور الأوضاع السياسية والعسكرية واستشراف كل السيناريوهات المتوقعة، والتعامل بواقعية مع أكثر هذه السيناريوهات سوداوية، للحفاظ على المصالح الاستراتيجية للدولة الأردنية.
تصريح جلالة الملك جرس إنذار للقوى الكبرى المؤثرة في العالم، ولصناع القرار في المنطقة لتحمل المسؤوليات الحقيقية تجاه شعوب المنطقة، ولكنه ايضا رسالة توجيه لمسار السياسة الأردنية التي بحاجة إلى مطبخ استراتيجي لإدارة شؤون الأردن ومصالحه، وسط هذه العاصفة الهوجاء التي تمر فيها المنطقة، ويبدو أن قدرها اصبح مرتبطا بالسنوات الخطرة، ما لم تتغير طريقة اتخاذ القرار إلى الأفضل والخروج من أسر الشعارات والأفكار المسبقة إلى ممارسة سياسية عقلانية تضع مصالح الشعوب في المقام الأول.