التهميش هو فقدان الفرصة في العمل أو الموقع وانعدام الفاعلية سواء كان ذلك بفعل الظروف أو الإقصاء المتعمد.

وبإلقاء نظرة على واقع المجتمعات في الماضي والحاضر تجد أن معظمها فيه أفراد أو فئات تعاني أو تشعر بالتهميش لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، فبعض الأقليات في مجتمعاتنا مهمشة، وبعض الأفراد مهمشون، وربما كان المهمشون أكثر عطاء من غيرهم لأنهم يسعون لإثبات الذات حتى يحصلوا على حقوق يشعرون بأنهم حرموا منها، أو أنهم ينشطون في الحياة ليخرجوا من دائرة التهميش.

وقد يعتقد البعض بأن المجتمعات الغنية ذات الوفرة الاقتصادية، أو المجتمعات الديمقراطية ليس فيها تهميش، ليس هناك مجتمع يخلو من مسألة التهميش بتفاوت الدرجة، ففي المجتمعات الديمقراطية تشعر الأقلية بالتهميش عندما تقوم الأغلبية بفرض إرادتها على الأقلية.

وهذا مجتمع دول الخليج العربية الذي يعيش عصر دولة الرفاه المادي يشعر الكثيرون في بعض هذه الدول بالتهميش مثل: فئات البدون جنسية، أو الفئات الدنيا في دخولها حتى لو كان عطاؤهم محدوداً لأنهم يرون فساداً أو ثراءاً فاحشاً لدى البعض بدون مقابل يقدمونه لمجتمعاتهم، كذلك يشعر عدد من الوافدين العاملين في المنطقة احياناً بالتهميش لتميز المواطنين عليهم، فبعد فترة من عملهم ووجودهم في هذه الدول تنتقل المقارنة بينهم وبين أقرانهم من مواطنيهم إلى مقارنة أوضاعهم بالامتيازات التي يحصل عليها المواطنون.

كذلك هناك تهميش سياسي، فنجد تاريخنا مليء بحرمان فئات أو قوى من حقها في التعبير أو المشاركة في اتخاذ القرار لأسباب فئوية أو إثنية أو لاختلاف في الرأي والتوجه والتفكير، ومن الطبيعي أن ينتج عن التهميش ظواهر سلبية مثل الظلم والاضطهاد وهذه تقود إلى مشكلات مثل التطرف والعنف.

وأحياناً كثيرة لا يدرك من يتقدمون الصفوف خطورة تهميش بعض الفئات أو الأفراد إذ إن سلوكاً كهذا أو عدم المبادرة إلى معالجة الظاهرة ستنعكس سلباً عليهم وتأخذ أبعاداً خطيرة كلما استمر ذلك التهميش. ولعل من الأمور التي لم يتوقعها الناس هي أن هناك تهميشاً ذاتياً هروباً من دائرة الصراع أو عجزاً عن مناطحة الآخرين، أو عرفية أوصلتهم إلى الاحباط، فاليأس من إصلاح الأوضاع ووضع حد لظاهرة التهميش.

ثم السؤال الذي تصعب الإجابة عنه هل التهميش في مجتمعاتنا وصل حد الظاهرة؟ وإذا كان كذلك ما هي الحلول المقترحة للقضاء عليها أو الحد من آثارها السلبية؟ وهنا قد تتفاوت الإجابات والاجتهادات، بيد أن الأمر الذي لا مناص من الإقرار به هو أن هناك تهميشاً في مجتمعاتنا يصل إلى حد الظاهرة لأن الأضرار الناتجة عنه تمس أعداداً كبيرة من الناس ولفترات زمنية طويلة.

وفي حالة التهميش تجد المهمشين أفراداً أو فئات يلجأون إلى عصبياتهم الطائفية أو القبلية أو الحزبية أو الطبقية كي يثبتوا وجودهم ويستقووا على أولئك الذين يمارسون التهميش ضدهم، وقد يعبرون عما في نفوسهم بوسائل غير مشروعة.

لقد حدث في التاريخ أن المهمشين ارتكبوا حماقات، أو جرائم أو خاضوا ثورات ..إلخ. وقد يحقق أولئك بعض المكاسب لكن المشكلة أن المهمشين لو أتيحت لهم فرصة السطوة والسيطرة يلجأون هم أنفسهم إلى تهميش الآخرين لأسباب ودوافع ايديولوجية أو طبقية أو اجتماعية أو حتى انتقاماً لماض عانوا فيه الكثير من التهميش القسري.

المشكلة أننا لم نهتم بهذه الظاهرة على المستوى التربوي والتعليمي والثقافي وحتى السياسي، ولم يهتم كذلك الباحثون بها والباحثون الجادون قلة فبقيت ظاهرة التهميش وفئاتها المهمشة تعاني وسيترتب على ذلك معاناة مجتمعية ما لم نفكر جدياً بالحلول بعد بحث أسباب وظروف وجود مثل هذه الظواهر في مجتمعاتنا المعاصرة.

والتهميش لا يقتصر على مجال أو أفراد أو فئات بل حتى في مجال العلم والبحث العلمي، فهناك قضايا نهتم بها وأخرى نهملها، ولذلك نجد مثلاً ما يسمى بالمسكوت عنه في التاريخ المغيب من المعالجة، فإما جهلاً بموضوعات تستوجب وعياً وجهداً كبيراً أو تعمداً لأسباب وأغراض سياسية أو اجتماعية أو مصلحية.

نحن في زمن لا يرحم تسود فيه المصالح على كل القيم الإنسانية أو الموضوعية بمنهج علمي وعقلاني فكثرت أمراضنا وهمشنا المهم وقدمنا عليه التافه والضعيف جهلاً أو تجاهلاً وحتى نعيد الأمور إلى نصابها ونضع القطار على السكة، ونبدأ رحلة الألف ميل بخطوة على طريق مشروع النهضة لابد من مواجهة حقيقية وجادة للتهميش في حياة مجتمعاتنا.

إن طرح المشكلة والبكاء عليها لا يكفي، فنحن مطالبون بعد تشخيص الظاهرة بعلاجها، وهذا يتطلب طرح حلول حتى لو كانت نظرية في هذه المرحلة تنير الدرب كي تنتقل إلى الواقع وتكون عملية في مرحلة لاحقة، فماذا يمكن أن نقول ونفعل؟

أولاً: إن وعي ظاهرة التهيمش والاهتمام بها يجب أن تأخذ حيزاً من تفكيرنا واهتمامنا.

ثانياً: دراسة الظاهرة لمعرفة أسبابها ودوافعها وحجمها ومدى تأثيرها سواء كانت على مستوى الأفراد أو الفئات.

ثالثاً: الشفافية والحرية في طرح المشكلة وفتح الحوار حولها وعدم تغييبها أو تأجيل النظر فيها لأن ذلك يخلق تراكماً يزيد من حجمها وتأثيرها ويعقد الحل الممكن اليوم تجاهها.

رابعاً: التضحية إذا تطلب الأمر بشيء في اتجاه الحل أفضل من ترك التهميش بدون حل من منطلق عدم استعدادنا للتضحية بأي شيء.

خامساً: من المؤكد أن التهميش ضار بالفرد والمجتمع حتى لو رأى البعض أن في التهميش مصلحة له، وعليه لابد من إدراك أن مواجهة التهميش والقضاء عليه يصب في مصلحة الجميع.

كاتب كويتي