أنهى أولمرت تأليف حكومته. غداً، من المتوقع أن تنال ثقة الكنيست وتنتقل إلى موقع السلطة. ومعها يدخل مشروعها للفصل الأحادي حيّز التنفيذ. كل المعطيات والمؤشرات تدل على أن حكومة «كاديما» الائتلافية مستعجلة، في هذا الخصوص. وهي قادمة على أرضية صلبة.

في الداخل تتمتع بأكثرية نيابية كافية. في الخارج، تنعم بدعم أميركي أوروبي غير مسبوق، يتمثل بالمقاطعة الغربية للحكومة الفلسطينية ووقف المساعدات لها. مما تسبب بحالة اختناق للساحة الفلسطينية ترجمة ذلك، اطلاق يد أولمرت في الضفة ليمضي بخطته من دون رقيب أو حسيب؛ في ظل غطاء تضمنه واشنطن مع الأوروبيين.

في المقابل، الوضع الفلسطيني المحاصر من الخارج، متشرذم من الداخل. بل هو متنافر. يعيش حالة استقطاب حاد ومتوتر. دخل السلاح أكثر من مرة على خط الاحتكاكات، بين القوى المتصارعة. اجواؤه تسودها الريبة المتبادلة. والأخطر أن كل طرف راح يحصّن خنادقه الأمنية «الميليشياوية» تحسباً من الآخر أو تحقيقا للتوازن الميداني معه. مشهد يضجّ بمحاذير خطيرة. بات أكثر هشاشة وسرعة عطب.

بل أكثر قابلية للاشتعال. في خطابه، كل طرف يؤكد حرصه على الاستقرار والتفاهم وحسن الانسياب في العلاقات. على الأرض، الأمور تنطق بلغة أخرى، مختلفة تماماً. سلاح منفلت وبالأكوام، في وضع سياسي مأزوم، لا يطيق التعايش مع خلافاته. مزيج جعل من احتمالات الانفجار، حديث الساعة. وسط هذا التداعي بدأت فجأة تطل خيوط ضوء. مبادرات من هنا ومن هناك، أخذت تظهر، باتجاه المسارعة إلى لملمة الوضع. أو في أقله، لجم التردي المتحكم فيه.

رئيس السلطة، أبومازن، طرح فكرة الحوار ودعا إلى مؤتمر وطني موسع تشارك فيه كافة أطياف الساحة وهيئاتها وفعالياتها، السياسية والمدنية والإعلامية وغيرها. وافق الجميع. وكأن الشعور بدقة اللحظة ومهالكها، فرض الاستجابة مع هذا الطرح. وربما ـ نأمل ـ فرض يقظة تنطوي على وجوب مراجعة الحسابات والأولويات. وفي ذلك علامة أخرى مشجعة.

ثم أعقبته مبادرة سياسية للخروج من الأزمة، أعلنتها 12 شخصية من رجال الأعمال والقطاع الخاص الفلسطيني، وتم رفعها إلى رؤساء السلطة والحكومة والمجلس التشريعي. لبّها، الدعوة إلى تشكيل حكومة فلسطينية موسعة من كافة الفصائل وتضم شخصيات مهنية كما أنها تدعو إلى «إصلاح منظمة التحرير بحيث تمثل كل الأطراف وبطرق ديمقراطية».

الدعوة هذه، ليست جديدة. الجديد فيها أنها صادرة عن فعاليات مدنية مختلطة. ثم أنها صادرة في لحظة فارقة. مما يزيد من الضغوط على الأطراف السياسية، لعلّ ذلك يساهم في رفع درجة التجاوب مع مطلب إصلاح البيت الفلسطيني وتعزيز مقومات صموده بوجه العاصفة القريبة، القادمة.

الفلسطينيون أدرى الناس بشعاب وضعهم. تجربتهم المديدة والمكلفة خير دليل. ولا شك أنهم مدركون بأن الآتي أصعب وأقسى واستطراداً لا بدّ لهم من إدراك مستلزمات التصدي لهذا الآتي. وهذا ما يزيد من مقدار المسؤولية التي لن يُعذَر أحد إذا ما رفض النهوض بها. القضية على عتبة مرحلة نوعية وفاصلة. والوقت لا يتسع سوى لتثمير هذا الحراك الفلسطيني باتجاه بناء الوحدة الوطنية الصلبة التي وحدها تستجيب لضرورات هذا الظرف.