لم يتفوق عالم قط على «ابن خلدون» في حقل علم الاجتماع.. بدليل أننا لا نزال وفي الألفية الثالثة نستند إلى نظريات «ابن خلدون» في فهم واستيعاب الكثير من القضايا والظواهر الاجتماعية والسياسية الراهنة!!
لابن خلدون نظرية تتعلق بدورة المجتمعات، فهو يقول إن الدورة المجتمعية تتكرر كل ثلاثة وثلاثين عاماً.. وهو أمر استند إليه الكثير في تحديد عمر الحقبة الفاصلة بين الأجيال، بمعنى أن الزمن الفاصل بين جيل وآخر هو ثلاثة وثلاثون عاماً، وتلك حسبة دقيقة وحقيقية إذا ما تمت مقارنتها بالتكرار الذي يطال كل شيء في المجتمع البشري، وذلك كل ثلاثة عقود، وهو تكرار يشمل كل شيء، بدءاً بالمزاج البشري، والذوق العام، بل حتى في شيوع نظريات سياسية معينة!!
لكن هنالك أمورا قد تربكها معادلة ابن خلدون وحساباته!! فهنالك حالات معينة إذا ما استكانت لمرحلة البيات «الخلدوني» الثلاثيني فإن الضعف والوهن سيطالها، حتى وإن عاودها البريق فيما بعد!!
أحاول دائماً، حين يصدمني الواقع الفلسطيني المعاصر، وحين يؤلمني ما آلت إليه أكثر القضايا العربية مصيرية، أن ألجأ إلى فلسفة ابن خلدون حول العودة الحتمية في دورة المجتمعات، لكنها في الحالة الفلسطينية تكاد لا تثمر أملاً، بل هي تزيد الألم ألماً.
وتضاعف من مرارة الواقع، فانحسار التضامن العربي مع القضية الفلسطينية، واعتبار أن ذلك مسألة طبيعية وفقاً لمعادلة ابن خلدون، يعني أن عودة الحياة لتلك القضية ستكون في ظل جيل عربي كامل نشأ وتعلم وكبر بعيداً عن هاجس القضية الأم.
المثير في الأمر هنا أن مسألة عزوف المواطن الخليجي وانقطاعه عن هذه القضية قد تكون لها مبرراتها، سواء منها ما كان من موقف رديء للقيادة الفلسطينية إبان غزو النظام العراقي للكويت.
أو ما كان من غياب الثقة لدى المواطن الخليجي فيما يتعلق بمصير الدعم المالي والمعنوي الذي طالما التزم به تجاه القيادة الفلسطينية، لكن الذي يصعب تبريره أو فهمه هو موقف المواطن العربي الذي تكاد صلته تنقطع بكل ما هو دائر في الأرض المحتلة.. ناهيك عن التعاطف معها!!
وبعيداً عن العاطفة أو التشنج السياسي نستطيع القول وبكل ثقة إن القضية الفلسطينية وتداعياتها كانت وستبقى القضية الأم التي تنطلق منها وتدور في فلكها كل القضايا العربية الأخرى فالوطن العربي بشعوبه وإمداداته قد أعلن من قبل عن حصار لا يقل ضراوة على كل ما يمس قضية الأرض المحتلة حتى تباعدت صورة القضية وتفاصيلها عن وعي وإدراك وحماس شباب الوطن العربي.
فإذا ما اعتمدنا معادلة «ابن خلدون» هنا فإن ذلك يعني أن عودة الوعي بالقضية الفلسطينية بعد انقضاء فترة البيات «الخلدوني» ستكون في ظل جيل نشأ وتربى بعيداً عن أي مشاعر انتماء أو ارتباط بهذه القضية.
من سخريات الوضع المتعلق بالقضية الفلسطينية أن تراجع الإدراك العربي بارتباطها المباشر بمصيره ومستقبله السياسي يقابله إدراك ويقين غربي بأهميتها كقضية تصب مباشرة في مستقبله وحاضره السياسي!!